كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
328…
وفي دولة بني العباس بدأ افتراق كلمة الإسلام، وسقط اسم العرب من ديوان الحرب، وادخل الاتراك في الديوان، واستولت الديلم ثم الاتراك، وصارت لهم دولة عظيمة، وانقسمت ممالك المسلمين عدة اقسام، وصار بكل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف، ويملكهم بالقهر.
فاذا كان ابو جعفر المنصور قد فعل ما فعل مما ذكرناه، فليس من الغريب ان يسد هذه القناة ... ان فعله هذا، ليس انتقاما من النفس الزكية، وانما انتقم من ساكني الحرمين، وأهل الجزيرة العربية، الذين كان اجدادهم السبب في هذا الملك العظيم الذي ورثه ابو جعفر ... فكان من العقوق ان يفعل ما فعل ... وهو اذا لم يأمر بردمها، فقد ردمها بأهمالها لها، وكان من الواجب عليه ان يعمل كل مافي طاقة الدولة الاسلامية على احياء ارض الوحي ..... ان حصار اهل الاسلام، ومنه الزاد عنهم جريمة لا تغتفر، ما داموا على كلمة التوحيد ... أقول: ان وقوع اهل الحجاز في الحاجة الشديدة، بسبب القحط، عام الرمادة يدل على ان ارض الحجاز معطاء، وكانت تسد الحاجات الضرورية للناس، ولو كان عيشهم قائماً على ما يرد الى اسواقهم من خارج بلادهم، ما أحسوا بهذا الضيق، لأن طرق قوافل التجارة لم تنقطع ولكن البضائع تحتاج الى ثمن، والثمن كان مما يجنيه الناس من نتاج أرضهم وباديتهم ... أما البضائع التي كانوا يتبايعونها: فأكثرها تدور حول ((الطعام)): الأقط، والسمن وهما من مشتقات الألبان، وأكثره يأتي من البادية العربية.
والتمر: وهو من المدينة ونواحيها.
والزبيب: وأظنه يأتي من الطائف .. والحنطة والشعير: ويظهر انهما كانا يزرعان في المدينة ونواحيها، فقد روى النسائي عن ابن عمر، ان رسول الله نهى عن بيع النخلة حتى تزهو وعن السنبل…