كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
344…
أوهام ابن خلدون التي بناها على نظرية البداوة، وحشد لها الأدلة الكاذبة من ذلك قوله في فصل ((في انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة)) ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح وملكوا فارس والروم، واستخدموا بناتهم وأبناءهم ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة، فقد حكي ـ زعم ـ أنه لما قدم لهم المرقق، كانوا يحسبونه رقاعا، وعثروا على الكافور في خزائن كسرى فاستعملوه في عجينهم ملحا، وأمثال ذلك .. ص 149.
نقول: إن عبارة ابن خلدون هذه، ما يقولها إلا رقيع فاقد العقل، وهي من تندرات الشعوبيين الذين ما انفكوا يؤلفون الأكاذيب على العرب، وهي منقوضة من نواح كثيرة.
الأولى: قوله: ((ومثل هذا وقع للعرب .. )) أقول: إذا كان بعض أعراب البادية يجهلون ما ذكره، ولم يروه، فإن الذين فتحوا بلاد كسرى وقيصر كان جلهم من مسلمي الحجاز، لأن الفتح تم أيام عمر بن الخطاب، وكانت القادة من الصحابة رضوان الله عليهم، وجل الصحابة من المدينة ومكة والطائف، وأهل هذه المدن، أهل حضارة قديمة، وأهل مكة كانوا أهل تجارة، واتصالهم ببلاد الشام، وبلاد الفرس، واليمن، لم ينقطع ...
الثانية: في قصة ابن خلدون استهزاء بالصحابة رضوان الله عليهم ـ لأنهم كانوا عصب الفتح الإسلامي ـ ووصفهم بالجهل والغفلة.
الثالثة: قوله: ((يحسبونه رقاعا)) الرقاع: جمع رقعة، هو حجة عليه لا له لأنه لم يذكر مدلول الرقاع، ومن معانيها: الرقاع التي يكتب فيها، فإن كانت كذلك، فإن معرفتهم الرقاع يدل على معرفتهم الكتابة، وهو عنوان تحضرهم.
والرابعة: قوله: ((فاستعملوا الكافور في عجينهم ملحا)) يدل على أنهم يعجنون ويخبزون ومن يعجن، لا يخفى عليه أمر الخبز ..
الخامسة: إن للخبز رائحة نفاذة، فهل كانوا فاقدي حاسة الشم؟!
السادسة: لا يقدم الخبز، إلا مع ما يرافقه من الأدم .. وبذلك يعرف من…