كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

350…
1 - العاصمة:
العاصمة: المدينة، تكون قاعدة الدولة، أو الاقليم من الدولة. وأظنه ـ بهذا المعنى ـ استعمالاً مولدأ. ولكنه اختيار موفق.
فالعصمة في كلام العرب: المنع. وعاصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه: من عصمه يعصمه، عصماً: منعه ووقاه. وفي القرآن ((لا عاصم اليوم من أمر الله الا من رحم)). وذكروا لـ ((عاصم)) معنيين: الأول: أنه ((فاعل)) بمعنى بمفعول. وبهذا تكون المدينة ((معصومة)). أي: ممنوعة.
والمعنى: الثاني ((فاعل)) على حقيقته، أي: لا مانع. وبهذا تكون المدينة مانعة. وكلا المعنيين صالح لوصف المدينة النبوية به.
فهي: مدينة معصومة: أي معصوم أهلها من أن يطرقهم طارق يؤذيهم. وهذه العصمة تأتيهم من الله اولاً، ثم بسبب ما اودع الله في المدينة النبوية من الأسباب المانعة: فهي ذات موقع حربي جيد يمكن تحصينه، والدفاع عنه. فالجبال والحرات تحيط بها، والمنافذ والثنايا اليها معروفة ومعدودة، واماكن طروق الاعداء اليها يمكن حراستها وتحصينها.
وقد تحقق ذلك بالتجربة: ففي عام الاحزاب، حفر المسلمون الخندق من الجهات التي يمكن ان يدخل منها الاعداء فكان هذا الخندق سبباً في رجوع الاعداء خائبين.
وفي عام الحرة ـ أيام يزيد بن معاوية ـ اتخذ اهل المدينة خندقاً، ونجح في منع جيش الشام من دخول المدينة، لولا ان بعض الناس قد سربوا بعض جنود الشام من الجهة التي كانوا يحرسونها.
ونقل الكتاني في [التراتيب 1/ 293] عن ابن الجوزي في ((مشكل الصحيحين)) في قصة ادعاء طليحة بن خويلد النبوة، وتواثب الناس، ان ابا بكر امر علياً بالقيام على نقب من انقاب المدينة، وأمر الزبير بالقيام على نقب آخر، وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر، وأمر عبد الله بن مسعود يعس ما وراء ذلك بالليل.

الصفحة 350