كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
353…
ومن خصوصية الحكومة الاسلامية، وتميزها مما سبقها، ان يختار النبي صلى الله عليه وسلم، لعاصمة الدولة اسماً جديداً، قد يوحي مدلوله بمعان جديدة تريد الدولة الاسلامية ان تحققها في المجتمع الجديد. وكان الاسم المتداول قبل الهجرة ((يثرب)) وقد جاء الاسم في القرآن محكياً على لسان أعداء الاسلام ((واذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب)). وقد اختار القرآن الكريم اسم ((المدينة)) لدار الهجرة. وجاء ذكر لفظ ((المدينة)) في القرآن اربع عشرة مرة، منها عشر مرات يراد بها اسم الجنس الذي يطلق على كل مكان آهل بالسكان. ومنها أربع مرات، ذكر اسم المدينة علماً على البلدة النبوية. وجاء ذكر ((المدينة)) في الحديث الصحيح، في سياق الاسمية العلمية. فقال صلى الله عليه وسلم: ((حرم ما بين لابتي المدينة على لساني)).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أُمرتُ بقرية تأكل القرى، يقولون: ((يثرب)) وهي ((المدينة)). [رواه البخاري ك 26 ب 2].
وجاء اسم ((طابة)) و ((طيبة)) في سياق الوصف المحبوب فروى البخاري عن ابي حميد قال: ((أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى أشرفنا على المدينة، فقال: هذه طابة)). ويظهر من السياق أن رسول الله لم يرد العلمية، انما اراد مدح المدينة بطيب هوائها أو طيب ريحها، أو طيبها في نفس المسلم، وشدة شوقه اليها. ولذلك غلب اسم ((المدينة)) وذكر اسم ((طيبة)) في مجال التشوق والمدح.
ومن تفرد الدعوة الاسلامية، ان تتفرد عاصمتها باسم ((المدينة)) مع انه في الاصل اسم جنس مثل ((الرجل، والشاعر، والقرية))، فاذا اطلق اسم المدينة تبادر الى الفهم ان المدينة النبوية هي المراد. وفيه من المعاني ان لا مدينة اكتملت لها صفات المدينة، الا المدينة النبوية.
وهذا يفسر معنى قوله عليه السلام: ((أُمرت بقرية تأكل القرى)). أي: أمرني ربي، أن اسكن قرية هذه صفتها. وقالوا في معنى ((تأكل القرى)) أي: تغلبهم، وكنى بالاكل عن الغلبة، لأن الآكل غالب على المأكول، وقيل: تأكل القرى: أي: تفتح القرى. وقيل: معناه: يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم، وهذا من فصيح الكلام، لأن العرب تقول: أكلنا بلد…