كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
374…
[البخاري ك 56 باب 157]. وقال الرواة: ان اول ما قال رسول الله ((الحرب خدعة)) في غزوة الخندق.
ولذلك قصة ترويها كتب الحديث والسيرة، قال ابن هشام (2/ 229): ثم ان نعيم بن مسعود، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، اني قد اسلمت، وان قومي لم يعلموا باسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انما انت فينا رجل واحد، فخذل عنا، ان استطعت، فإن الحرب خدعة.
فخرج نعيم، حتى اتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: ان قريشاً وغطفان ليسوا كانتم، البلد بلدكم فيه اموالكم وابناؤكم ونساؤكم، لا تقدروا على ان تحولوا منه الى غيره، وان قريشاً وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد واصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم واموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فان رأوا نهزة أصابوها، وإن كانوا غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم…
__________
= والندب الى خداع الكفار، وإن من لم يستيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه وقال النووي: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما امكن، الا ان يكون فيه نقض عهد او امان فلا يجوز. وفي الحديث: اشارة الى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج اليه آكد من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير اليه بهذا الحديث، وهو كقوله: ((الحج عرفة)) وقال ابن المنير: معنى: الحرب خدعة أي: الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها، انما هي المخادعة، لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر. وقال غيره: أشار بذلك الى ان المماكرة أنفع من المكاثرة.
قال الكتاني في [التراتيب 1/ 367]: قال ابو الحسن الدمنتي (علي بن سليمان الدمنتي ـ عالم مغربي 1234 ـ 1306 هـ) في اختصاره للتوشيح: أخبرني بعض علماء القسطنطنية (لعلها اسلام بول فيما بعد) أنهم قالوا للنصارى انا غلبناكم بالسلاح، وانما غلبتم انتم ملوكنا بحيلكم، وتزيين الملاهي والمحرمات فاتبعوكم بإفساد الدين. فقالوا لهم: أليس بصحيح إخبار نبيكم ((الحرب خدعة)) قلنا: نعم. قالوا: إذن، إنما غلبناكم بشرعكم ((الخدعة)).