كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

392…
صغيرة، فقال عليه السلام: ((اذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم)) [رواه ابو داود].
وفي هذا، يحقق رسول الله ظاهرة اجتماعية ذات جذور عميقة تتصل بطبيعة الانسان وتراثه الثقافي ومشاركته من حوله في مجتمعه.
فالوجود المشترك لرجلين أو اكثر يخلق نوعاً من الحاجة الى من ينظم العلاقات القائمة بينهم، وفي هذه الحال يتولى أحدهم القيادة وقديماً قال الشاعر الأفوه الأودي.
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة اذا جهالهم سادوا
سادساً: حق القائد في الطاعة، أي: طاعة المرؤوسين له.
وحكمة الطاعة تكمن في انها لصالح الجماعة، لأن القائد يقود الجماعة لتحقيق هدفها، ولا يستقيم ذلك الا بطاعة افراد الجماعة لأوامره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا وان استعمل عليكم عبد حبشي)) [رواه البخاري] وقرر أن الطاعة التي يريدها الاسلام ليست عمياء، بل هي الطاعة الواعية البصيرة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق انما الطاعة في المعروف)) [متفق عليه].
سابعاً: المشاورة: وصف الله المؤمنين فقال: (والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) [الشورى: 38].
وامر الله نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - ان يشاور اصحابه، فقال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر، فاذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين) [آل عمران: 159].
قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) قال المفسرون: يعني في الحرب ونحوه مما لا ينزل عليك فيه وحي، لتستظهر برأيهم، ولما فيه من تطييب نفوسهم والرفع من اقدارهم. قال الحسن: قد علم الله انه ما به اليهم حاجة، ولكنه أراد ان يستن به من بعده. وفي الحديث: ((ما تشاور قوم قط الا هدوا لأرشد أمرهم)).

الصفحة 392