كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
417…
دليل شاهد على صحة هذه التسمية، لأن من اقام بها، يجد من تربتها وحيطانها (بساتينها) رائحة طيبة لاتكاد توجد في غيرها. [الفتح 4/ 89].
ولما احب رسول الله المدينة، خص منها العقيق بمزيد من الحب، لما روى ابن شبة عن سلمة بن الاكوع رضي الله عنه قال: ((كنت اصيد الوحش وأهدي لحومها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففقدني، فقال: يا سلمة اين كنت؟ فقلت: يارسول الله، تباعد الصيد، فانا اصيد بصدور قناة (1)، نحو ثيب (2)، فقال: لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك اذا خرجت، وتلقيتك اذا جئت، اني احب العقيق)) [تاريخ المدينة 1/ 147]. قال السمهودي: ورواه الطبراني بنحوه قال الهيثمي: واسناده حسن.
ومحمله ان صح على ما قبل تحريم المدينة، او ان المراد من الصيد بالعقيق، طرفه الخارج عن الحرم، جمعاً بين الأدلة. [وفا / 1039].
أقول: لعل فيما عرضته ـ من بيان منزلة وادي العقيق في الاسلام ـ دعوة الى اعمار الأرض واستنباط خيراتها، واحياء كل ذراع اودع الله فيه الرزق، وان من معاني البركة التي اودعها الله في ارض العقيق، الخصب، والنماء والرزق الوفير .. وسوف نرى حقيقة هذه البركة، فيما يأتي من البحث.
ولعل في ذلك ايضاً اعمار الأرض بالمسلمين، ليكون ذلك قوة، وحراسة للمدينة النبوية في اطرافها التي قد تأتي الأعداء منها، لأن اعمار اطراف المدينة يكون بمنزلة المرابطة في الثغور، ويكون انذاراً مبكراً اذا داهم المدينة عدو.
وقد اخذت هذا المعنى من الحديث الذي رواه انس بن مالك قال: أراد بنو سلمة ان يتحولوا الى قرب المسجد، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ان تعرى المدينة وقال: ((يابني سلمة الا تحتسبون آثاركم؟ فأقاموا)). وقد بوب البخاري باب ((كراهية النبي - صلى الله عليه وسلم - …
__________
(1) قناة: احد اودية المدينة، يمر بين المدينة وجبل أُحد، ويأتي من الشرق.
02) ثيب: جبل في شرق المدينة يذكر في حدود حرم المدينة من ناحية الشرق.