كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
423…
وروي أن النبي صلى لله عليه وسلم , صلّى الصبح في المسجد بأعلى عسيب ـ وهو جبل بأعلى قاع النقيع , ثم أمر رجلا صيتا , فصاح بأعلى صوته , فكان مدى صوته بريدا , وهو أربعة فراسخ , فجعل ذلك حمى , طوله بريد , وعرضه الميل وفي بعضه أقل (1) .. وقالوا في وصفه: ((في قاع مدر الطيب , ينبت أحرار البقل , والطرائف , ويستأجم حتى يغيب فيه الراكب , وفيه مع ذلك , من العضاه والعرفط , والسدر , والسيال , والسلم , والطلح , والسمر والعوسج والعرفج شجراء (جمع شجر) كثيرة ... وبقاع النقيع غدر تصيف ـ تبقى في الصيف ـ.
.. وبشرقي النقيع في الحرة قلتان (2) , يبقى ماؤهما ويصيف [معجم ما استعجم للبكري , وأبو علي الهجري].
ويظهر من الوصف أنه كان مرتعا خصبا حتى في سنوات الجدب , لما روي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يعلف بعيره شعيرا فقال: اما كان في النقيع ما يكفيك .. ورأى شعيراً في روث فرس عام الرمادة، فقال: لاجعلن له من غرز النقيع ما يكفيه ويغنيه عن طعام المسلمين [المغانم / 416].
والاصل في هذا الحمى , أن يكون لخيل المسلمين المعدة للجهاد في سبيل الله لما روي أن رسول الله استعمل على الحمى مراوحا المزني ليمنع الناس من الرعي فيه , ولكنهم أباحوا للضعيف الذي لايقدر على الجعة أن يرعى في حمى السلطان .. وقد تتابع الخلفاء وامراء المدينة على استعمال وال على النقيع , ولم يترك الا سنة 198 هـ , لجلاء الناس عنه , للخوف في ذلك الزمان , فلم يبق احد يستعمل عليه. ويبدو أن الناس قد كثروا حول النقيع في القرنين الاول والثاني , لما روى السمهودي عن يعقوب المزني: قال: ثم تزايد الناس بعد في الحمى وحموا مابين تراجم الى يلبن ـ مكانين حول النقيع ـ واتخذوا…
__________
(1) البريد , يقارب ثلاثين كيلا. والميل القديم يقارب 2600 م
(2) قلتان: تثنية , قلت ـ بفتح القاف وسكون اللام: النقرة في الصخرة أو العين ونحوهما. والجمع: قلات.