كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

424…
المرابد يحبسون فيها ما رعى الحمى من الابل، حتى رأيت بعضها يأكل دبر بعض ـ كناية عن تزاحمها ـ. وقال الزبير بن بكار: وقال لي: لقد رأيت لابيك اكثر من ثلاثة الاف شاة بالنقيع، وهو اذ ذاك امير المدينة (1) وما يرعى رعاؤه منها شيئاً في الحمى حتى يكتمل العشب ويبلغ نهايته، فيرسل عامل الحمى صائحاً يصيح في الناس، يؤذنهم باليوم الذي يأذن لهم يرعون الحمى، فيسرع فيه رعاء ابيك والناس يداً واحدة، كفرسي رهان ..
قال السمهودي: مقتضاه جواز رعي الحمى للناس اذا استووا فيه، وهو مخالف لمذهبنا، اذ لايدخله سوى العاجز عن النجعة من الناس. [وفا / 1086].
اقول: لعلهم اباحوا للناس ان يرعوا في الحمى، والأصل فيه لخيل الجهاد ـ لأن المدينة لم تعد عاصمة ينطلق منها المجاهدون كما كانت في عصر الخلفاء الراشدين. والله اعلم .. ويذكرون بعد قاع النقيع: ((حضير)) قاع يفيض عليه سيل النقيع، فيه ابار ومزارع ومرعى للمال ـ الابل ـ من عضاه ورمث واشجار، وكان يسكنه مصعب الزبيري ...
ويدفع على حضير، الاتمة، اتمة ابن ابزبير [لعلها اليتمة، اليوم ـ على مسافة 85 كيلاً من المدينةـ] .. قالوا: وكان ابن الاشعث المزني ينزل الاتمة ويلزمها فاستمشى ماشية كثيرة وافاد مالاً جزلاً حتى اتخذ اصولاً واستغنى.
ثم يفضي الوادي من حضير الى غدير يقال له المزج، لا يفارقه الماء، وهو في شق بين جبلين، يمر به وادي العقيق فيحفره لضيق مسلكه، وهذا الجبل المنفلق يقال له، اسقف .. وهذه الاماكن كانت مأهولة، لأن الشاعر الاحوص الانصاري ـ في العصر الاموي ـ يذكرها من مواطن الحنين الى الاحبة، فيقول:
طربت، وكيف تطرب ام تصابى ورأسك قد توشع بالقتير…
__________
(1) بكار بن عبد الله بن مصعب الزبيري، توفي سنة 195 هـ. تولى امارة المدينة من قبل هارون الرشيد. قبل سنة 193 هـ.

الصفحة 424