كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

427…
أو غفاري، كما سيأتي بيانه عند الحديث عن ((معالم العقيق)).
وكان بنو سلمة، أقرب الناس سكناً من وادي العقيق، في نواحي مسجد القبلتين ـ ولكن مزارعهم كانت في حرة الوبرة ـ الغربية ـ ولم نعرف انهم كانوا يزرعون عرصات العقيق، مع قربها من منازلهم (1).
قلت: ان وادي العقيق بالمدينة لم يكن مأهولاً، واريد بوادي العقيق، حده الذي يبدأ من ذي الحليفة (آبار علي) حتى مصبته في زغابة، عند ملتقى سيول…
__________
(1) اما ما رواه ابن شبة في تاريخ المدينة (ص 149) عن ابن شهاب قال: ((وجد قبر على جماء ام خالد ـ على ضفاف العقيق ـ اربعون ذراعاً في اربعين ذراعاً مكتوب في حجر فيه: انا عبد الله من اهل نينوى، رسول الله عيسى ابن مريم الى اهل هذه القرية، فأدركني الموت، فأوصيت ان ادفن في جماء ام خالد)).
فهو خبر لا يصح سنداً، ولا متناً. اما السند، ففيه اثنان من اعلام الكذب، والوضع اما أحدهما: فهو يزيد بن عياض بن جعدبة، سئل الامام مالك عنه، فقال: اكذب من الكذابين. وقال عنه النسائي: انه كذاب، وقال ان معين: كان يكذب.
واما الثاني: فهو عبد العزيز بن عمران: قال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير وقال عمر بن شبة: كان كثير الغلظ.
وقال البخاري: منكر الحديث، لا يكتب حديثه .. واما المتن: ففيه ان القبر (أربعون ذراعاً في اربعين ذراعاً .. وهذا لا يصح، لأن مساحة القبر تكون 2000 x 2000، يعني 20 x 20 متراً. واذا كان طول القبر عشرين متراً لزعمهم ان الناس قبلنا طوال الأجسام، فما معنى ان يكون عرض القبر عشرين متراً؟ ومن الذي حفر هذا القبر، ولم نعرف ان اهل يثرب اتبعوا دين المسيح عليه السلام؟ واما قوله: رسول عيسى ابن مريم الى اهل هذه القرية، فلا يصح ايضاً، لأن رسالات الأنبياء السابقين على الاسلام، كانت محدودة المكان والزمان، وقد ارسل عيسى الى اهل فلسطين، وكانت لغته السريانية. وانظر روايات اخرى لهذا الخبر عن ابن زبالة، احد اركان الكذب، في متاب وفاء الوفا ص 158. وفيه ان صاحب القبر رسول سليمان بن داود الى اهل يثرب ... أقول: ان تاريخ المدينة قبل الاسلام محشو بالأساطير والخرافات والاسرائيليات، ويحتاج من مؤرخي المدينة الى جهد لغربلته ونخله، لأن مثل هذا الخبر يبني عليه المستشرقون قصوراً من التأويلات، ثم تعود الينا على انها حقائق علمية.

الصفحة 427