كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

429…
ومن جبالهم ((ورقان)) يبعد عن المدينة سبعين كيلاً نحو الجنوب. وجبل قدس ((أدقس)) ويطل على وادي الفرع. ويذكرون ايضاً في اعالي العقيق، قرب النقيع. [انظر: المعالم الأثيرة ـ مادة مزينة ـ للكاتب].
والصحيح، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم، اقطع بلالاً العقيق، لأنه أرض عادية تباعد الزمن بين المماليك الأول، وبين الزمن النبوي، حتى اصبحت لا يعرف لها مالك. قال عليه الصلاة والسلام: ((عادي الارض لله ولرسوله ثم هو بعد لكم)) رواه ابو عبيد في ((الاموال)) وعادي الارض: التي كان بها ساكن في آباد الدهر فانقرضوا فلم يبق منهم انيس. وانما نسبها الى ((عاد)) لنهم كاننوا مع تقدمهم ذوي قوة وبطش وآثار كثيرة، فنسب كل أثر قديم اليهم. [المغني 5/ 564].
ويظهر من نصوص الأخبار، ان العقيق الذي اقطعه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بلالاً، كان قريباً من عمران اهل المدينة، او كانت بعض اطرافه قريبة من العمران، لما ذكر ابن قدامة في ((المغني)) قال: ((فاما ما قرب من العامر (من الموات) ولم يتعلق بمصالحه، ففيه روايتان: احداهما: يجوز احياؤه لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقطع بلال بن الحارث العقيق، وهو يعلم انه بين عمارة المدينة، لأنه موات لم يتعلق به مصلحة العامر، فجاز احياؤه كالبعيد. [المغني 5/ 567].
وهذا ينطبق على العقيق المجاور للمدينة لكن قوله: ((بين عمارة المدينة)) فيه نظر، فقد كان العقيق في اطراف عمارة المدينة، وكلمة ((بين)) تقتضي الاحاطة، والاحاطة لم تكن حاصلة. ثم ان القرب والبعد ليس لهما حد معروف، وانما يعرفان بالعرف.
والظاهر ان عمران المدينة كان بعيداً عن مواطن الاقطاع، لأن الليث بن سعد، حدد المكان الذي يجوز اقطاعه، ولا يتعلق بمصالح العامر ان يكون على مسافة غلوة، وهي خمس الفرسخ، فاذا كان الفرسخ يقارب ثمانية أكيال (8000 م) فإن خمس الفرسخ (1600 م) وهو حد مقبول لأقرب مناطق العقيق من عمران المدينة في بداية الهجرة النبوية.

الصفحة 429