كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

430…
وقال ابو حنيفة: حد البعيد، الذي يجوز اقطاعه من موات الارض، هو الذي اذا وقف الرجل في ادناه، فصاح بأعلى صوته، لم يسمع ادنى اهل المصر اليه، وهذا تحديد غير مفهوم، ولا يعد تحديداً لأن الاصوات تختلف في قوتها، حسب الناس، والوقت، فالصوت في النهار غيره في هدأة الليل.
وقال ابن قدامة: ان التحديد لا يعرف الا بالتوقف ولا يعرف بالرأي ولم يرد في الشرع تحديد لذلك، فوجب ان يرجع في ذلك الى العرف وقول من حدد ـ بالغلوة، او بسماع الصوت ـ تحكم بغير دليل، وليس ذلك اولى من تحديده بشيء آخر، كميل ونصف ميل (والميل 2666 م) ونحو ذلك، وهذا التحديد الذي ذكراه ـ الليث وابو حنيفة ـ والله اعلم، يختص بما قرب من المصر او القرية، ولا يجوز ان يكون حداً لكل ما قرب من عامر لأنه يفضي الى ان من احيا ارضاً في موات، حرك احياء شيء من ذلك الموات على غيره، ما لم يخرج عن ذلك الحد. [المغني 5/ 568].
ويظهر من احكام احياء الموات، ان ارض العقيق، بعيدها وقريبها، لم تكن تتعلق بها مصلحة اهل المدينة، ولم يكونوا يستفيدون منها بوجه من الوجوه، لأن ابن قدامة يذكر الأماكن التي لا يجوز احياؤها، فيقول: ((وكذلك ما تعلق بمصالح القرية، كفنائها، ومرعى ماشيتها، ومحتطبها، وطرقها، ومسيل مائها، لا يملك بالأحياء، ولا نعلم فيه خلافاً بين اهل العلم، وكذلك حريم البئر والنهر والعين وكل مملوك لا يجوز احياء ما تعلق بمصالحه، لقوله عليه الصلاة والسلام ((من احيا ارضاً ميتة في غير حق مسلم، فهي له)) مفهومه: ان ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالاحياء، ولأنه تابع للملوك ولو جوزنا احياءه لبطل الملك في العامر على اهله.
وأكثر ما عرفنا من بيوت، وبساتين وآطام أهل المدينة قبل الاسلام، محصورة بين الحرتين الشرقية والغربية، وبين جبلي احد في الشمال، وعير في الجنوب واما ما بعد الحرة الغربية حيث يمتد وادي العقيق على طول الحرة من…

الصفحة 430