كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
436…
ومنهم من اشتراها ممن أقطع، لأننا نفهم من أخبار العقيق، أن مساحات من أرض العقيق بقيت بيد أمير المؤمنين، أو أمير المدينة، وأصبحت مما يسمى اليوم، أملاك الدولة، لأنهم قالوا: إن بني أمية كانوا يمنعون البناء في العرصة، وأن سلطان المدينة لم يقطع فيها قطيعة إلا بإذن الخليفة [وفا / 1054 ٍ]. ويروى في قصة بناء قصر عروة بن الزبير أن أحد القرشيين من سكان العقيق، وشى به عند أمير المدينة، أنه حمل على حق السلطان، فهدم أمير المدينة جنابذه وضفائره وسد بئاره فلما وصل الخبر إلى الوليد بن عبد الملك، كتب إلى أمير المدينة: ما عروة ممن يتهم فدعه وما انتقص من حق السلطان. [وفا / 1044].
قلت: إن عمران العقيق بقي مزدهرا حتى نهاية القرن الثالث، ثم أخذ بالتقلص وهجره أهله، وقبعوا وراء أسوار المدينة.
وقد بدأ حبل الأمن ينقطع منذ أواخر القرن الثاني، لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من مزينة على وادي النقيع .. فلم تزل الولاة يولون عليه واليا منذ عهد رسول الله يستعمله والي المدينة، حتى كان داود بن عيسى، فتركه سنة ثمان وتسعين ومئة وإنما تركه داود، لأن الناس جلوا عنه للخوف ذلك الزمان، فلم يبق فيه أحد يستعمله عليه.
ولا شك، أن بناء سور حول المدينة، يمثل حال الخوف الذي كان يعيش فيه أهل المدينة في مركز السكان، فكيف يكون حال الناس الموزعين في الأطراف؟ وقد ذكرت المصادر أن أول سور بني حول المدينة كان سنة 263 هـ، بناه إسحق بن محمد الجعدي.
ونقل عن ابن خلكان أن أول من بنى على المدينة سورا، عضد الدولة ابن بويه، بعد الستين وثلاثمائة (سنة 360 هـ) في خلافة الطائع لله بن المطيع لله. [تاريخ معالم المدينة، لأحمد ياسين الخياري ص 251]. وربما بقي العقيق خاويا من سكانه من بداية القرن الخامس حتى بداية العصر الحديث، وبقي مع ذلك متنزها لهم يخرجون إليه في النهار، ويختبئون ليلا وراء الأسوار.
…