كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
443…
ولا زال مكانها معروفا، يقصده من يريد دراسة الآثار في المدينة النبوية (1) ولكن هذه البئر أصبحت معطلة، مع غزارة الماء في بقعتها، حيث حفرت بئر بجانبها لسقاية بستانها في العصر الحديث، وقد يقال لها اليوم ((بئر عثمان)) والمقصود عثمان بن عفان رضي الله عنه، لأن قصة البئر في الإسلام مقرونة باسم عثمان بن عفان. نقل ابن حجر في ((الفتح)) عن ((البغوي)) في ((الصحابة)) قال: ((لما قدم المهاجرون المدينة، استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار، عين يقال لها ((رومة)) وكان يبيع منها القربة بمد (تمر) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((تبيعنيها، بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها)) فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه، اشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: نعم. قال: قد جعلتها للمسلمين)) [الفتح 5/ 407].
وروى البخاري في كتاب ((الوصايا)): ((أن عثمان رضي الله عنه، حيث حوصر، أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أن رسول الله قال: ((من حفر رومة فله الجنة، فحفرتها؟ .. قال: فصدقوه)).
وأصح الآثار فيها ما ذكرته، أما الآثار التي تنسبها إلى يهودي ـ في الجاهلية ـ وإلى ((الزني)) فهي ضعيفة. أما اليهودي: فلأن اليهود ـ لعنهم الله ـ لم يكن لهم أملاك في سافلة المدينة، وإنما كانت مساكنهم في عواليها. وأما من قال: إنها لمزني، فلعله اعتمد على قصة إقطاع العقيق لبلال بن الحارث المزني ... ولا يصح ما نقله السمهودي [ص 1042] أن بلالا باع رومة من…
__________
(1) الطريق إليها للقادم من ناحية المسجد النبوي، يبدأ من ثنية الوداع الشامية، ويمشي في طريق أبي بكر الصديق (سلطانة) متجها نحو الجامعة الإسلامية، وقبل مفترق الطرق يكون على اليمين.