كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

447…
والأمان للناس المنتشرين على ضفافه، وبدلا من العمل على إبعاد أسباب الخوف، عملت على إحلال الرعب في نفوس الناس، فبنت حول المدينة سورا، وضاعفت العداوة أو العداء، بين أهل الحاضرة واهل البادية.
فالحكم على وادي العقيق من الناحية الاقتصادية، لا يكون مبنيا على دراسة تاريخ قرن أو قرون، وإنما يكون بناء على دراسة طبيعة الأرض.
ووادي العقيق واد عادي قديم، لا يعرف أحد متى كان، بل كان منذ أن خلق الله الأرض، وسواها على هذا الشكل، وأنزل الأمطار عليها لتكون نعمة لبني آدم.
واتساع نهر الوادي، وعمقه يدلان على أن الأمطار لم تكن تنقطع، وأن سيله كان دائما ومتدفقا ,واذا حصل الجدب سنة أوسنتين , فقد يتوالى الغيث بعد ذلك سنوات , وقد عايشنا هذه الحال في العقد الاخير من القرن الرابع عشر الهجري , حيث كان السيل يأتي في كل عام, وتبقى مياهه في الوادي أشهرا. وحكى لنا ذلك من سبقنا من الشيوخ .. فكان الوادي اذن , في الزمان السابق , سادا حاجة سكانه من الماء للزراعة , والري والرعي.
وفي العصر الحديث توالت سنوات جفاف , واستنبطت مياه الوادي ـ بالالات ـ ثم اريقت للزراعة بطريقة غير اقتصادية , فأدى ذلك الى أن غارت مياه كثير من آباره .. ومع ذلك فاننا لو حسبنا لهذا الزمن حسابه , ما وقع الذي نحن فيه. وكان من الواجب اقامة سدود كثيرة متوالية على الوادي لتحتفظ الارض بمائها سنوات طويلة.
ومع هذا كله , فان حاضر الزراعة في هذا الوادي يدل على خصب تربته , وقابلية أشجاره للنماء , بقليل من الماء .. , وحدائقه , ومزارعه اليوم تنبئ عن ذلك .. وانظر مثالا لذلك: مزارع الجرف , وحدائق النخيل , والرحمة , ومزارع من الاشجار الحرجية في ساحة مستشفى الملك فهد , وساحة قصر الضيافة , وساحات الجامعة الاسلامية , ومزرعة بئر رومة .. الخ.…

الصفحة 447