كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
448…
أثر وادي العقيق في الشعر العربي:
في بلاد العرب كلها أودية وأنهار , وحدائق وأزهار , تغنّى أهلها بجمالها وقالوا أجزل الاشعار .. ولكنني لم اذق شعرا أرق وأعذب وأسلس , وأخف على السمع , وأعلق بالنفس واسرع الى القلب , من شعر قيل في وادي العقيق , ولم أجد واديا أثّر في اهله , واسال طباعهم رقة , وأذاب نفوسهم تشوقا كما كان لوادي العقيق من الاثر في اهله ومحبيه.
قد يكون للشعر الاندلسي جمال الشعر العقيقي وعذوبته , ولكنه لايصل الى مرتبة الشعر المدني بعامة , والشعر العقيقي بخاصة ... في العر الاندلسي جمال وعذوبة , ولكنهما مقرونان بالصخب وكثرة الالوان الصناعية انه شعر يبهر النظر ويطرب الاذن .. أما شعر العقيق , فانه ينساب الى النفس من جميع مجاريها , فيأسر القلب والروح.
شعر الاندلس يذهب رنينه وبهاؤه بعد فراقه , وشعر العقيق يعلق بالنفس فلا يفارقها .. انه الفرق بين الصنعة والطبيعة , وجمال الروح وجمال الظاهر , وبين الكحل في العينين , والتكحل انه الفرق بين الجمال المطبوع والتجمل المصنوع , كما قال أبو الطيب في الموازنة بين جمال البادية المطبوع , وجمال الحاضرة المصنوع:
ما أوجه الحضر المستحسنات به كأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الاّرام ناظرة وغير ناظرة في الحسن والطيب
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
.. وكنت قد اتهمت نفسي بالمبالغة في هذا الحكم , وقلت لعله من شدة الولوع والحب ولكنني وجدت أهل الشرق والغرب وافقوني عليه , وقالوا بقولي , أو قلت بقولهم وجمعنا الحبّ على غير ميعاد:…