كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
449…روى صاحب العقد الفريد قال: قال هارون الرشيد للمفضل الضبي: أنشدنا بيتاً اوله اعرابي في شملته هبّ من نومته، وآخره مدني رقيق غذي بماء العقيق، قال المفضل: هولت عليّ ياأمير المؤمنين، فليت شعري، بأي مهر نفتض عروس هذا الخدر؟ قال هارون، هو بيت جميل حيث يقول:
ألا ايها النّوام ويحكم هبوا أسائلكم: هل يقتل الرجل الحب
.. [العقد 6/ 227].
والشاهد في القصة، قوله: ((مدني رقيق غذي بماء العقيق)) وكأنه جعل رقة الشعر المدني نابعة، من شرب الشعراء، ماء العقيق.
وقال ابن عبد ربه في وصف شعر المدينة، يعيب من لم يختر منه لألحانه: ونظير هذا من سوء الاختيار، ما تخيره أهل الحذق بالغناء، والصانعون للألحان من الشعر القديم و الحديث، فانهم تركوا منه ((الذي هو أرق من الماء وأصفى من الهواء، وكل مدني رقيق قد غذي بماء العقيق)) [العقد 7/ 84] وقال البكري في تفسير أبيات للأحوص ((هذا الشعر لشاعر اسلامي حضري مدني غذي بماء العقيق، لم يدخل بادية قط)) [التنبيه 1/ 187] ...
ومع هذا التأثير السحري في نفوس الشعراء .. فان الشعر الذي وصلنا في وصف وادي العقيق، قليل .. فما السر في ذلك؟ لعل قوة السحر عطلت لغة الكلام .. فوادي العقيق، امام من يزوره ويلقاه، ديوان شعر، يقول لقاصديه: اقرؤوا .. وأنى للمسحور أن ينقل صورة السحر؟ ان الشاعر يعجز ان ينقل صورة ما رأى، لأنها رؤية القلب والروح .. انه يقف عاجزاً امام سحر التاريخ، وقصص المجد، وبركة السماء .. وصفاء الهواء، وبهجة المنظر، وروعة الجمال ... وأكثر ماوصلنا من الشعر العقيقي: في التشوق والحنين اليه، وذكر مواطن…