كتاب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (اسم الجزء: 1)

يرجح على الْجبَال الرواسِي والسكون الَّذِي تتعظ بِهِ الْقُلُوب القواسي وَكَانَ مثابرا على الْعِبَادَة الصَّدقَات ملازما للأوراد الْأَذْكَار فِي الخلوات والجلوات اشْتغل فِي مبدأ أمره وبرع ونظم الشّعْر التركي وَله شعر عَرَبِيّ أَيْضا إِلَّا أَنه قَلِيل أورد مِنْهُ وَالِدي رَحمَه الله فِي تَرْجَمته قطعتين استحسنت أَحدهمَا وَهِي هَذِه وكتبت بهَا على مؤلف الْعَلَاء الطرابلسي فِي الْفَرَائِض
(كتاب نَفِيس للفوائد جَامع ... مُفِيد لطلاب الْمسَائِل نَافِع)

(على حسن تَرْتِيب تجلى مُجملا ... فقرت عُيُون الورى ومسامع)

(بدا معجيا إِذْ لم تَرَ الْعين مثله ... بِهِ نور آثَار الْفَضَائِل لامع)

(لجامعه فَخر الْأَئِمَّة سودد ... لرايات أنوار المكارم رَافع)

(أَفَاضَ عَلَيْهِ الرب من سحب جوده ... فَإِن غمام الْفضل مِنْهُ لوامع)
وَكَانَ لَازم على عَادَة عُلَمَاء الرّوم من عَمه شيخ الْإِسْلَام الْمولى مُحَمَّد وَلم يزل يترقى فِي الْمدَارِس حَتَّى صَار قَاضِي قُضَاة الشَّام ودخلها نَهَار الْأَرْبَعَاء سادس عشر الْمحرم سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ ألف وَكَانَ وَالِده مفتي الدولة وَقَالَ الأديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمي فِي تَارِيخ قدومه
(أَهلا بأكمل فَاضل ... رب الحجى المتكامل)
... يَا مرْحَبًا بقدوم غيث ... فِي مقَام ماحل)

(لما أَتَاهَا حَاكما ... رب الْعَطاء الشَّامِل)

(تَارِيخ مقدمه أَتَى ... فِي بَيت شعر كَامِل)

(زهيت معالم جلق ... بِأبي سعيد الْعَادِل)
وَهُوَ أجل من ولي الشَّام من الْقُضَاة وأعفهم وأعظمهم قدرا وَقد سَار سيرة فِي أَحْكَامه أنست من تقدمه وأتعبت مَا جَاءَهُ بعده وَجَاء الْخَبَر وَهُوَ قَاض أَن السُّلْطَان عُثْمَان بن السُّلْطَان أَحْمد قد تزوج بأخته فَجمع إِلَى سعوده سَعْدا وَبعد ذَلِك بِمدَّة جزئية ورد عَلَيْهِ خبر مقتل السُّلْطَان وعزل وَالِده عَن الْفتيا ثمَّ عزل هُوَ أَيْضا عَن قَضَاء الشَّام ورحل إِلَى الرّوم فِي سادس عشرى شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ بعد وُصُوله الرّوم بِمدَّة ولى قَضَاء بروسه والغلطة ثمَّ قَضَاء قسطنطينة وعزل مِنْهَا ثمَّ أُعِيد إِلَيْهَا ثَانِيًا وَنقل مِنْهَا إِلَى قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي ثمَّ نقل إِلَى روم إيلي وعزل عَنْهَا وأعيد ثَانِيًا ثمَّ صَار مفتي التخت ثَلَاثًا وَكَانَ كلما أُعِيد إِلَيْهَا تَلا قَوْله تَعَالَى هَذِه بضاعتنا ردَّتْ إِلَيْنَا وَكَانَ يكْتب فِي الفتاوي الَّتِي ترفع إِلَيْهِ فَوق السُّؤَال
(عزت فَعَاشَتْ بفقرها رغدا ... وَفِي اعتزال الْأَنَام راحتها)
وَمِمَّا اشْتهر انه من شعر عبد الْمطلب جد النَّبِي
فِي مَعْنَاهُ
(لنا نفوس لنيل الْمجد طالبة ... وَإِن تسلت أسلناها على الأسل)

(لَا ينزل الْمجد إِلَّا فِي مَنَازلنَا ... كالنوم لَيْسَ لَهُ مأوى سوى الْمقل)
قد تَرْجمهُ الخفاجي فِي كِتَابيه لَكِن اخْتلفت تَرْجَمته لَهُ كثيرا وَالَّذِي حررته وَصَحَّ مَا نَقله وَالِدي من خطّ الشهَاب من نُسْخَة الخبايا حَيْثُ قَالَ من ذَوي الْبيُوت الشامخة الرتب الْمُزَاحمَة للنيرات فِي منازها بالركب وَله أدب غض نَقده نض وَشعر يتساقط فِي أندية الْكِرَام تساقط الدّرّ أسلمه النظام ألطف من شمائل الشمَال وَأحب من دَلَائِل الدَّلال وأرق من دموع السَّحَاب وأصفى من مَاء المزن والشباب وَبَينهمَا هُوَ رحيب الصَّدْر صلب قناة الصَّبْر لم تعقد حبار أيه بِغَيْر يَد الحزم وَلم تحل الْأَيَّام عقد رَأَيْته الأبراحة الْعَزْم إِذْ غلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء فأعجز داؤه الدَّوَاء فبدلت جُنُون الْفُنُون بفنون الْجُنُون وَفتحت مغلق قفله وحلت عقلة عقلة فَظهر تشَتت باله ونادى لِسَانه حَاله
(تقضي زمَان لعبنا بِهِ ... زهذا زمَان بِنَا يلْعَب)
فَمَا رويت من شعره قَوْله
(ترامت نَحْوهَا الْإِبِل ... وشامت برقها الْمقل)

(فتاة من بني مُضر ... يجاذب خصرها الكفل)

(فَمَا الخطار إِن خطرت ... وَمَا الميالة الذبل)

(تكنفها لُيُوث وغى ... يحاذر بأسها الأسل)

(لَئِن شط المزار بهَا ... وأقفر دونهَا الطلل)

(بِمِثْلِهَا الْفُؤَاد بِهِ ... ويدينها لَهُ الأمل)

(وَكم لي يَوْم كاظمة ... فؤاد خافق وَجل)

(وطرف بعد بعدهمْ ... بميل السهد مكنحل)

(علقت بهَا غَدَاة غَدَتْ ... وموطئ نعلها الْمقل)

(فَإِن سَارَتْ بأخمصها ... تداعى الوابل الهطل)

(وَإِن قرت تقر الْعين ففينا بِضَرْب الْمثل ... )
قلت وَجل شعره يشْتَمل على معَان عَذَاب لَطِيفَة الْموقع وَكَانَت وَفَاته فِي ربيع الأول

الصفحة 138