كتاب تفسير السمعاني (اسم الجزء: 1)
{حوله ذهب الله بنورهم وتركهم فِي ظلمات لَا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ (18) أَو كصيب من السَّمَاء فِيهِ ظلمات ورعد} يكن دَاخِلا فِي صلته. بِمَعْنى: أَنَّك حرمتني صلتك، كَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {ذهب الله بنورهم} أَي: حرمهم ذَلِك النُّور. (وتركهم فِي ظلمات) أَي: شَدَائِد {لَا يبصرون} الْحق.
قَوْله: (صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ) فالصم: جمع الْأَصَم، وَهُوَ الَّذِي لَا يسمع، والبكم: جمع الأبكم، وَهُوَ الَّذِي لَا ينْطق، وَولد على الخرس.
والعمي: جمع الْأَعْمَى، وَهُوَ الَّذِي لَا يبصر؛ فَمَعْنَاه أَنهم صم لَا يبصرون الْحق، وَلَا يعرفونه كَأَنَّهُمْ لم يسمعوا؛ وَهُوَ مثل قَول الشَّاعِر:
(أَصمّ عَمَّا سَاءَهُ سميع ... )
أَي: لَا يسمع مَا سَاءَهُ مَعَ كَونه سميعا.
{بكم} يَعْنِي: أَنهم لما أبطنوا خلاف مَا أظهرُوا؛ فكأنهم لم ينطقوا بِالْحَقِّ.
{عمي} أَي: لَا بصائر لَهُم، وَمن لَا بَصِيرَة لَهُ كمن لَا بصر لَهُ.
{فهم لَا يرجعُونَ} عَمَّا هم عَلَيْهِ من الضَّلَالَة.
قَوْله تَعَالَى {أَو كصيب من السَّمَاء فِيهِ ظلمات ورعد وبرق} الْآيَة. فالصيب: الْمَطَر، وكل مَا نزل من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل فَهُوَ صيب، من قَوْلهم: صاب يصوب، إِذا نزل.
وَقيل: الْأَهْل مُضْمر فِيهِ، أَي: كَأَهل الصيب؛ كَقَوْلِه {واسأل الْقرْيَة} أَي: أهل الْقرْيَة.
{من السَّمَاء} كل مَا علا فَهُوَ سَمَاء. فالسقف سَمَاء، والسحاب سَمَاء، وَمَا فَوْقه سَمَاء، وَأَرَادَ بِهِ السَّحَاب هَهُنَا.
{فِيهِ ظلمات} يعْنى: فِي السَّحَاب؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن ظلمَة، أَلا ترَاهُ يغشى وَجه
الصفحة 53