كتاب تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (اسم الجزء: 1)
وقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ... الآية: المقْصِد تقلُّب البصر، وأيضاً: فالوجه يتقلَّب بتقلُّب البصر، قال قتادة وغيره: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الدعاءِ إلى اللَّه تعالى أنْ يحوِّله إِلى قبلة مكَّة «1» ، ومعنى التقلُّب نحو السماء: أنَّ السماء جهةٌ قد تعوَّد العالَمُ منْها الرحمةَ كالمطر، والأنوار، والوَحْي، فهم يجعلون رغبتهم حيْثُ توالَتِ النعَمُ.
قال ص: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ: يدلُّ على تقدير حالٍ، أي: قد نرى تقلُّب وجهك في السماءِ طالباً قبلةً غير التي أنت مستقبلها، فلنولينّك. انتهى.
وتَرْضاها: معناه: تحبّها/، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلم يحبّ الكعبة والتحوّل عن بيت 38 أالمقدس لوجوه ثلاثة رُوِيَتْ:
أحدها: لقول اليهودِ: «مَا عَلِمَ محمَّدٌ دينَهُ حتَّى اتبعنا» قاله مجاهد.
الثاني «2» : ليصيب قبلة إِبراهيمَ- عليه السلام- قاله ابن عَبَّاس «3» .
الثالث: ليستألف العربَ لمحبَّتها في الكعبة، قاله الربيعة والسُّدِّيُّ «4» .
ع «5» : والميزابُ هو قبلة المدينةِ والشامِ، وهنالك قبلةُ أهل الأندلسِ بتأريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلةٌ من كل أُفُقٍ.
وقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ ... الآية: أمر بالتحوُّل، ونسخ لقبلة الشام، وشَطْرَ: نصبٌ على الظرف، ومعناه: نحو، وتلقاء، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا: أمر
__________
(1) أخرجه الطبري (2/ 22) برقم (2235) ، (2236) عن قتادة من طريقين وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 62) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 221) .
(2) أخرجه الطبري (2/ 23) برقم (2239) بنحوه. وذكره ابن عطية (1/ 221) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 269) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.
(3) أخرجه الطبري (2/ 23) برقم (2241) بنحوه. وذكره ابن عطية (1/ 221) .
(4) أخرجه الطبري (2/ 22) برقم (2237) عن الربيع، وبرقم (2238) عن السدي. وذكره ابن عطية (1/ 22) .
(5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 222) ، والميزاب: المثعب، فارسي معرب، والجمع مآزيب إذا همز، وميازيب إذا لم يهمز. ينظر: «لسان العرب» (4823) (وزب) ، و «الوسيط» (407) .
الصفحة 329