كتاب تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (اسم الجزء: 1)
التي هي كلُّها دواعٍ إِلى الجنَّة، والإِذن: العلْم والتمكينُ، فإِن انضاف إلى ذلك أمْرٌ، فهو أقوى من الإِذن لأنك إِذا قلْتَ: أذنْتُ في كذا، فليس يلزمك أنَّكَ أمرْتَ، ولَعَلَّهُمْ:
ترجٍّ في حق البشر، ومن تذَكَّر، عمل حسب التذكّر، فنجا.
[سورة البقرة (2) : آية 222]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً قال الطبريُّ عن السُّدِّيِّ: إنَّ السائلَ ثابتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ «1» ، وقال قتادةُ وغيره: إِنما سألوه لأنَّ العرب في المدينةِ وما والاها، كانُوا قد استنوا بسُنَّة بني إِسرائيل في تجنُّب مواكلة الحائِضِ، ومساكَنَتِها، فنزلَتِ الآية «2» .
وقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ يريدُ: جماعَهُنَّ بما فسّر من ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم مِنْ أنْ تشدَّ الحائِضُ إِزارها، ثُمَّ شأنُه بأعلاها.
قال أحمد بن نصر الداوديّ: روي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «اتقوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ فَإِنَّ الجُذَامَ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ المَحِيضِ» «3» انتهى.
قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، وقرأ حمزة «4» وغيره «يَطَّهَّرْنَ» بتشديد الطاء والهاء، وفتحهما، وكلُّ واحدة من القراءَتَيْنِ يحتملُ أنْ يراد بها الاِغتسالُ بالماء، وأن يراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوالُ أذاه، قال ابنُ العربيُّ في «أحكامه» «5» : سمعْتُ أبا بكر
__________
(1) أخرجه الطبري (2/ 393) برقم (4237) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 298) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 461) ، وعزاه لابن جرير.
وهو ثابت بن الدّحداح بن نعيم بن غنم بن إياس، حليف الأنصار. وكان بلويّا، حالف بني عمرو بن عوف. ويقال: ثابت بن الدحداحة. ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة. ينظر: «الإصابة» (1/ 503) (العلمية) .
(2) أخرجه الطبري (2/ 393) برقم (4234) ، وذكره ابن عطية (1/ 298) . والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 462) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.
(3) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 259) ، وعزاه لابن المنذر.
(4) ينظر: «السبعة» (182) ، و «الكشف» (1/ 293) ، و «الحجة» (2/ 321) ، و «حجة القراءات» (134، 135) ، و «العنوان» (74) ، و «شرح الطيبة» (4/ 99) ، و «شرح شعلة» (290، 291) ، و «معاني القراءات» للأزهري (1/ 202) ، و «إتحاف» (1/ 438) .
(5) ينظر: «الأحكام» (10/ 164) .