كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد (اسم الجزء: 1)
بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ الْأُمَّةِ، وَرَأَيْتُ مُجَلَّدًا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ قَدْ نَصَرَ فِيهِ هَذَا الْمَذْهَبَ.
وَقَدْ ذَكَرَ عبد الرزاق فِي "الْمُصَنَّفِ" عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ أبا موسى وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَأَنَسَ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، (كَانُوا يَضْطَجِعُونَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِذَلِكَ) وَذُكِرَ عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنْ نافع، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ، وَيَقُولُ: كَفَانَا بِالتَّسْلِيمِ.
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ أُصَدِّقُ أَنَّ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ: " «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَمْ يَكُنْ يَضْطَجِعُ لِسُنَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ لَيْلَهُ فَيَسْتَرِيحُ) » قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْصِبُهُمْ إِذَا رَآهُمْ يَضْطَجِعُونَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أبي الصديق الناجي، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى قَوْمًا اضْطَجَعُوا بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ بِذَلِكَ السُّنَّةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ. وَقَالَ أبو مجلز: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْهَا فَقَالَ: يَلْعَبُ بِكُمُ الشَّيْطَانُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا بَالُ الرَّجُلِ إِذَا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الْحِمَارُ إِذَا تَمَعَّكَ.
وَقَدْ غَلَا فِي هَذِهِ الضَّجْعَةِ طَائِفَتَانِ، وَتَوَسَّطَ فِيهَا طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ، فَأَوْجَبَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَأَبْطَلُوا الصَّلَاةَ بِتَرْكِهَا كَابْنِ حَزْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَكَرِهَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَسَمَّوْهَا بِدْعَةً، وَتَوَسَّطَ فِيهَا مالك وَغَيْرُهُ فَلَمْ يَرَوْا بِهَا بَأْسًا لِمَنْ فَعَلَهَا رَاحَةً، وَكَرِهُوهَا لِمَنْ فَعَلَهَا اسْتِنَانًا، وَاسْتَحَبَّهَا طَائِفَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، سَوَاءٌ اسْتَرَاحَ بِهَا أَمْ لَا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالَّذِينَ كَرِهُوهَا، مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ كابن عمر وَغَيْرِهِ، حَيْثُ كَانَ يَحْصِبُ مَنْ فَعَلَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ اضْطِجَاعَهُ كَانَ بَعْدَ الْوِتْرِ وَقَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ
الصفحة 309