كتاب جامع المسانيد والسنن (اسم الجزء: 1)

عجاجة (¬1) الدَّابةِ خمرَّ عبد الله بن أُبي أنفَهُ بردائه، ثم قال: لا تُغبّروا (¬2) علينا، فسلَّم عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم وقَفَ، ونزلَ فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال له عبد الله بن أُبَي: أيُّها المرء (¬3) لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقاً فلا تُؤْذِنا في مجلسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منَّا فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالِسنَا، فإنَّا نُحِبُّ ذلك. قال: فاستبّ المسلمون، والمشركون، واليهود حتى همُّوا أن يتواثبوا، فلم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يُخفِّضُهم (¬4) ، ثم ركب دابتهُ، حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال: أي سعدُ ألم تسمع ما قال أبو حُباب؟ يريدُ عبد الله بن أُبَي. قال: كذا وكذا.
قال: اعْفُ عنهُ يارسول الله، واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرةِ (¬5) أن يتوجوه (¬6) فيعصبونه بالعصابةِ، فلما ردَّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكهُ شرق بِذلك (¬7) ، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) (¬8) .
¬_________
(¬1) العجاجة: واحدة العجاج وهو الغبار الذي أثارته الدابة. اللسان 2813.
(¬2) لا تغبروا علينا: لا تثيروا الغبار علينا.
(¬3) في هذا اللفظ من رأس المنافقين عبد الله بن أبي سوء أدب في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما لا يخفى.
(¬4) يخفضهم: يسكنهم ويهون عليهم الأمر من الخفض والدعة والسكون. النهاية 1/307.
(¬5) البحيرة: مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو تصغير البحرة، وقد جاء في رواية مكبراً، والعرب تسمي المدن والقرى البحار النهاية 1/62.
(¬6) أي يلبسوه التاج ملكاً عليهم.
(¬7) أي غص به، وهو كناية عما ناله من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصل به حتى كأنه شئ لم يقدر على إساغته وابتلاعه فغص به. اللسان 2247.
(¬8) من حديث أسامة بن زيد في المسند 5/203 وأخرجه البخاري في كتاب الاستئذان باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين 11/38.

الصفحة 219