كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية (اسم الجزء: 1)

والآيات في هذا المعنى تبين أن أهل الحق أتباع الرسل، هم الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا; وأن أعداء الحق هم الأكثرون في كل مكان وزمان، حكمة بالغة; وفي الأحاديث الصحيحة ما يرشد إلى ذلك، كما في الصحيح: " أن ورقة بن نوفل، قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا ليتني كنت فيها جذعا، ليتني أكون حيا، إذ يخرجك قومك، قال: " أومخرجي هم؟ " قال: نعم، لم يأت أحد قط، بمثل ما جئت به، إلا عودي " 1.
فإذا كان هذا حال أكثر الخلق مع المرسلين، مع قوة عقولهم، وفهومهم، وعلومهم، فلا تعجب مما جرى في هذه الأوقات، ممن هو مثلهم، في عداوة الحق، وأهله، والصد عن سبيل الله، مع ما في أهل هذه الأزمان من الرعونات، والجهل، وفرط الغلو في الأموات، كما قال تعالى عن أسلافهم، وأشباههم: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [سورة النحل آية: 20-22] .
فاحتج سبحانه وتعالى على بطلان دعوتهم غيره، بأمور:
منها: أنهم {لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [سورة النحل آية: 20] ، فالمخلوق لا يصلح أن يقصد بشيء من خصائص الإلهية، لا دعاء، ولا غيره، و " الدعاء مخ العبادة " 2.
الثاني: كون الذين يدعونهم من دون الله {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ}
__________
1 البخاري: بدء الوحي (4) , ومسلم: الإيمان (160) , وأحمد (6/223 ,6/232) .
2 الترمذي: الدعوات (3371) .

الصفحة 449