كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية (اسم الجزء: 1)
منهم، وما حل بهم، وكحال كفار قريش، والعرب، وغيرهم، مع النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله بالتوحيد، والنهي عن الشرك، والتنديد، فقد روى مسلم، وغيره، من حديث عمرو بن عبسة، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له: " أنا نبي". فقال: "وما نبي؟ قال: أرسلني الله. قال: بأي شيء أرسلك؟ قال: بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيئا. قال: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد. ومعه يومئذ: أبو بكر، وبلال " 1.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذي يصلحون إذا فسد الناس " 2 وفسر الغرباء بأنهم: النّزاع من القبائل، فلا يقبل الحق من القبيلة إلا نزيعة، الواحد والاثنان؛ ولهذا قال بعض السلف: " لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين"! وعن بعضهم أنه قال: "ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟ "
فإذا كان الأمر كذلك، فلا تعجبوا من كثرة المنحرفين، الناكبين عن الحق المبين، المجادلين في أمر الدين، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [سورة غافر آية: 35] .
فأعظم منة الله على من رزقه الله معرفة الحق: الاعتصام
__________
1 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (832) , وأحمد (4/112) .
2 مسلم: الإيمان (145) , وابن ماجه: الفتن (3986) , وأحمد (2/389) .