وكان إذا جلس لا يجلس أحد إلا بإذن، إلا الأمير نجم الدين أيوب بن شاذى - رحمه الله -، وأما من عداه كأسد الدين شيركوه، ومجد الدين بن الداية، وغيرهما، فإنهم كانوا يقفون بين يديه إلى أن يتقدم إليهم بالقعود؛ وكان (¬1) مجلسه - فيما روى - كصفة مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلس حكم وحياء، وهكذا كان مجلسه لا يذكر فيه إلا العلم والدين، وأحوال (¬2) الصالحين، والمشورة في أمر الجهاد، وقصد بلاد العدو.
ولو أخذنا نعدد ذكر مناقبه (¬3) ومآثره لطال الكلام واتسع الشرح، وفيما أوردناه من ذلك كفاية.
ولما توفى نور الدين - رحمه الله - رثاه عماد الدين الكاتب بقوله:
عجبت من الموت كيف اهتدى (¬4) ... إلى ملك في سجايا ملك!
وكيف ثوى الفلك المستدير ... في الأرض، والأرض وسط الفلك؟!
وبقوله:
يا ملكا أيامه لم تزل ... لفضله فاضلة فاخرة
غاصت بحور الجود مذ غيّبت ... أنملك القابضة الزاخرة
ملكت دنياك وخلّفتها ... وسرت حتى تملك الآخرة
¬_________
(¬1) وردت في هامش س (56 ب) بخط مخالف لأحد قراء النسخة هذه الجملة: «أخطأ الناقل لهذا اللفظ، فان مجالس الأنبياء أجل وأعظم من أن تشبه بمجالس الملوك».
(¬2) س: «أقوال».
(¬3) توجد ترجمة طويلة وافية لنور الدين في (النعيمى: الدارس في تايخ المدارس، ج 1، ص 606 - 616) وقد اعتمد فيها المؤلف على كثير من المؤرخين السابقين له ومنهم ابن واصل في كتابه هذا مفرج الكروب.
(¬4) كذا في الأصل، وفى س، وفى (الروضتين، ج 1، ص 228): «أتى».