كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 1)

حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه … جلمان بالأخبار هشّ مولع (¬1)
إن الذين نعبت لى بفراقهم … هم أسهروا ليلى التّمام فأوجعوا (¬2)
وكانوا يذكرون القطا والجراد والعصافير والنمل والعنكبوت والحمام ونوحه وما يهيج فيهم من شوق وشجا. وقد أفاض الجاحظ بكتابه الحيوان فيما جاء على ألسنتهم من وصف ذلك كله وتصويره وينبغى أن لا نعتد بما جاء فيه من قصص أسطورى عن طوق الحمامة والديك والغراب والهدهد والحيات مما ساقه على لسان أمية بن أبى الصلت، فقد حمل عليه شعر كثير وضعه القصاصون والرواة. وقد استرعى الجاحظ كثرة ما جاء على ألسنتهم من وصف فلواتهم (¬3) ووصف البرد وقوارصه والحر وهواجره (¬4)» وما يجرى فى ديارهم أحيانا من خصب بعد مطر غزير (¬5).
وفى معلقة امرئ القيس قطعة طويلة يصف فيها سيلا عرما نزل فى مواطن بنى أسد بالقرب من تيماء. ويتردد هذا الوصف فى شعره وشعر شاعرهم عبيد بن الأبرص.
وكما أكثروا من ذكر الخصب ورطوبة النبات ولدونة الأغصان وكثرة الماء أكثروا من وصف الجدب وطالما وصفوا وعوثة الصحراء ومخاوفهم فى لياليها من الجن والشياطين. وكادوا لا يتركون شيئا يتصل بهم إلا وصفوه، فوصفوا الرعى والمراعى.
ووصفوا الأسلحة والحروب، ووصفوا الخمر وأوانيها وسقاتها ومجلسها وأثرها. وكانوا يقحمونها كما قدمنا فى حماستهم. ويفتخرون بأنهم يسقونها الصحاب والرفاق على صوت القيان ومع نحر الجزور، يقول ثعلبة بن صعير فى حماسية له (¬6):
أسمىّ ما يدريك أن رب فتية … بيض الوجوه ذوى ندى ومآثر
باكرتهم بسباء جون ذارع … قبل الصباح وقبل لغو الطائر (¬7)
¬_________
(¬1) حرق: أسود، وشبه لحييه بالجلمين لأنه يخبر بالفرقة كما يقطع الجلمان أو المقراضان.
(¬2) نعب: صاح، ليل التمام: الشديد الطول.
(¬3) الحيوان 6/ 255 وانظر الأصمعيات رقم 61 بيت 29 وما بعده والمفضليات رقم 75
(¬4) الحيوان 5/ 73، 5/ 78 وما بعدها وانظر المفضليات رقم 120 بيت 50، 51
(¬5) الحيوان 3/ 120 والمفضليات ص 335.
(¬6) المفضليات ص 130.
(¬7) السباء: اشتراء الخمر، الجون: الزق الأسود. الذارع: المختلط بالماء.

الصفحة 217