كتاب جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (اسم الجزء: 1)

الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] (الشُّورَى: 21) فَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِعَمَلٍ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ، فَعَمَلُهُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِحَالِ الَّذِينَ كَانَتْ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً، وَهَذَا كَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِسَمَاعِ الْمَلَاهِي، أَوْ بِالرَّقْصِ، أَوْ بِكَشْفِ الرَّأْسِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ الَّتِي لَمْ يَشْرَعِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ التَّقَرُّبَ بِهَا بِالْكُلِّيَّةِ. وَلَيْسَ مَا كَانَ قُرْبَةً فِي عِبَادَةٍ يَكُونُ قُرْبَةً فِي غَيْرِهَا مُطْلَقًا، فَقَدْ «رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ إِنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَأَنْ يَصُومَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْعُدَ وَيَسْتَظِلَّ، وَأَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ» فَلَمْ يَجْعَلْ قِيَامَهُ وَبُرُوزَهُ فِي الشَّمْسِ قُرْبَةً يُوفِي بِنَذْرِهِمَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ عِنْدَ سَمَاعِ خُطْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ مَا دَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ؛ إِعْظَامًا لِسَمَاعِ خُطْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ قُرْبَةً تُوفِي بِنَذْرِهِ، مَعَ أَنَّ الْقِيَامَ عِبَادَةٌ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَالصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ وَالدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ، وَالْبُرُوزُ لِلشَّمْسِ قُرْبَةٌ لِلْمُحْرِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ قُرْبَةً فِي مَوْطِنٍ يَكُونُ قُرْبَةً فِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ، وَإِنَّمَا يَتْبَعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ فِي مَوَاضِعِهَا. وَكَذَلِكَ مَنْ تَقَرَّبَ بِعِبَادَةٍ نُهِيَ عَنْهَا بِخُصُوصِهَا، كَمَنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ، أَوْ صَلَّى وَقْتَ النَّهْيِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَصْلُهُ مَشْرُوعٌ وَقُرْبَةٌ، ثُمَّ أَدْخَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، أَوْ أَخَلَّ فِيهِ بِمَشْرُوعٍ، فَهَذَا مُخَالِفٌ أَيْضًا لِلشَّرِيعَةِ بِقَدْرِ إِخْلَالِهِ بِمَا أَخَلَّ بِهِ، أَوْ

الصفحة 178

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text