كتاب جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (اسم الجزء: 1)

يَا مُدْمِنَ الذَّنْبِ أَمَا تَسْتَحْيِي ... وَاللَّهُ فِي الْخَلْوَةِ ثَانِيكَا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إِمْهَالُهُ ... وَسَتْرُهُ طُولَ مَسَاوِيكَا
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَصَّى مُعَاذًا بِتَقْوَى اللَّهِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، أَرْشَدَهُ إِلَى مَا يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللَّهِ كَمَا يَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ ذِي هَيْبَةٍ مِنْ قَوْمِهِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَسْتَشْعِرَ دَائِمًا بِقَلْبِهِ قُرْبَ اللَّهِ مِنْهُ وَاطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ فَيَسْتَحْيِي مِنْ نَظَرِهِ إِلَيْهِ. وَقَدِ امْتَثَلَ مُعَاذٌ مَا وَصَّاهُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عُمَرُ قَدْ بَعَثَهُ عَلَى عَمَلٍ، فَقَدِمَ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، فَعَاتَبَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: كَانَ مَعِي ضَاغِطٌ، يَعْنِي: مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيَّ وَيَمْنَعُنِي مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مُعَاذٌ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَظَنَّتِ امْرَأَتُهُ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ مَعَهُ رَقِيبًا، فَقَامَتْ تَشْكُوهُ إِلَى النَّاسِ. وَمَنْ صَارَ لَهُ هَذَا الْمَقَامُ حَالًا دَائِمًا أَوْ غَالِبًا، فَهُوَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ، وَمِنَ الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. وَفِي الْجُمْلَةِ فَتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ هُوَ عَلَامَةُ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَلَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ فِي إِلْقَاءِ اللَّهِ لِصَاحِبِهِ الثَّنَاءَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَا أَسَرَّ عَبْدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا عَلَانِيَةً إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا، وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا» " رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ.

الصفحة 410

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text