كتاب التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه (اسم الجزء: 1)
الجَنَائِزِ (¬1) إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وأَصْلُ هَذ الكَلِمَةِ (¬2) أَنْ تُسْتَعْمَلَ في الأمْرِ بالسَّيرِ عَلَى سُكْوْنٍ وتَرَفُّقٍ واتِّصَالٍ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ: هَلُمَّ جَرَّا، أي: أَقْبِلْ في سُكْوْنٍ وتَرَفُّقٍ ولَا تُجْهِدْ نَفْسَكَ، ثُمَّ صَارَتْ مَثَلًا في كُل شَيءٍ يَتَوَالى ويَتَتَابَعُ وإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَمْرٌ. وأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهِ عائِذُ بنُ يَزِيدَ اليَشْكُرِيُّ (¬3) في قَوْلِهِ:
وإِنْ جَاوَزْتُ مَقْفَرَةً رَمَتْ بِي ... إِلَى أُخْرَى كَتِلْكَ هَلُمَّ جَرَّا
- وَقَوْلُهُ: "يقْدُمُ النَّاسَ" [9]. أَي: يَتَقَدَّمُ النَّاسَ، وَمَنْ رَوَاهُ: "يُقَدَّمُ" أَرَادَ أَحَدَ وَجْهَينِ:
أَمَرُهُم بالتَّقَدُّمِ، أَوْ تَقَدَّمَهُمْ هُوَ، يُقَال: تَقَدَّمَ وَقَدِمَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (¬4): {لَا تُقَدِّمُوا بَين يَدَي اللَّهِ} وَمِنْهُ: جَاءَتْ مُقَدَّمَةِ النَّاس -بِكَسْرِ الدَّالِ-.
-[وَقَوْلُهُ: "ثُمَّ يَأْتِي البَقِيع" [10]. البقِيع مَدْفَنُ النَّاسِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلهِمْ: مَا أَدْرِي أَينَ بَقَعَ؟ أَي: أَينَ ذَهَبَ؛ لأن المَدْفُوْنَ لَا يُدْرَى مَا صَارَتْ حَالُهُ إِلَيهِ. ويَجُوزُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ قَوْلهِمْ: بَقَعَتْهُمُ البَاقِعَةُ أَي: دَهَتْهُمُ الدَّاهِيةُ (¬5). وَقَال
¬__________
(¬1) في الأصل: "الجبابرة".
(¬2) يُراجع: الزَّاهر لابن الأنْبَاريِّ (1/ 4776)، والفاخر (32)، وجمهرة الأمثال (2/ 355)، ومجمع الأمثال (2/ 402)، والأشباه والنظائر (3/ 200)، وألَّف في هذه المسألة ونظائرها ابنُ هشام صاحب "المُغني" مؤلفًا خاصًّا.
(¬3) لم يذكره المؤلِّفون في الأوائل، ولم يردْ له ذكرٌ في شعرِ بني بكر فهو مستدركٌ عليهم.
(¬4) سورة الحجرات، الآية: 1.
(¬5) هذَا كُلُّه يصحُّ لو أَنه سُمِّي البَّقِيع بعدَمَا كَانَ مَقْبَرَةً يُدْفَنُ فيه، لكِن التَّسْمِيَةَ -فيما يظهر- قَبْلَ ذلِكَ، وَهُنَاكَ مَوَاضِع أُخْرَى في المدينة نَفْسِهَا يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ منها "البَقِيع" أيضًا، يُفَرَّقُ بَينَهَا بالإضَافَةِ، لذلك يُقَالُ لهَذَا: "بَقِيع الغَرْقَدِ" ومنها بقيعُ الخَيلِ، وَبَقيعُ الزُّبيرِ، وبقيعُ الخَبْجَبَةِ ...
الصفحة 252