كتاب التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه (اسم الجزء: 1)

صِيَامُهُ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ". قَال: وتأْويلُهُ عندَ غَيرِهِ: فَمَنْ شَهِدَ مِنكمُ الحَضَرَ (¬1) في الشَّهْرِ، فالشَّهرُ عَلَى هَذَا مَنْصُوْبٌ انْتِصَابَ الظَّرْفِ لا انْتِصَابَ المَفْعُوْلِ، وحَذَفَ المَفْعُوْلَ وهو الحَضَرُ (¬2)، ولَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ الشَّهْرُ مَفْعُوْلًا؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ أَنْ يَصُوْمَهُ الحَاضِرُ والمُسَافِرُ؛ لأنَّهُمَا مَعًا يَشْهَدَانِ الشَّهْرَ. قَال: والأجْوَدُ أَنْ يَكُوْنَ من قَوْلهِمْ: شَهِدَ زَيدٌ: إِذَا حَضَرَ، فَيَكُوْنُ مَعْنَاهُ: فَمَنْ حَضَرَ مِنكمْ في الشَّهْرِ، وشَهِدَ هَذَا غَيرُ مُتَعدٍّ إلى المَفْعُوْلِ، ومِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (¬3): {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} أَي: حَاضِرٌ بِلُبِّه وفِكْرِهِ. ولَمْ يُعَدِّهِ إلى مَفْعُوْلٍ، وأَيضًا فَإِنَّ مَنْ شَهِدَ بَعْضَ الشَّهْرِ في الحَضَرِ لا يُقَالُ إِنَّه شَهِدَ الشَّهْرَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ العَرَبَ تَضَعُ العُمُوْمَ مَوْضِعَ الخُصُوْصِ، وبالعَكْسِ، فَمَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُوْنَ مَنْ شَهِدَ بَعْضَهُ أَنْ يُقَال: شَهِدَ الشَّهْرَ كَمَا تَقُوْلُ: لَقِيتُ القَوْمَ وأَنْتَ وإِنَّمَا لَقِيتَ بَعْضَهُمْ.
قِيلَ لَهُ: يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا التّأويلِ فِعْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وإِفْطَارُهُ وَهُوَ قَدْ خَرَجَ في رَمَضَان. قَال: وَقَدْ يَجُوْزُ أنْ يَكُوْنَ المُرَادُ بالآيةِ مَا قَالهُ عَلِيٌّ ثُمَّ نَسَخَهُ فِعْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا ابنُ شِهَابٍ بِقَوْلهِ -عَقِبَ الخَبَرِ في الموطَّأ-: وَكَانُوا يَأْخُذُوْنَ بالأحْدَثِ، فَالأحْدَثِ مِنْ أَمْرِهِ - صلى الله عليه وسلم -.
- "الصِّيَام" و"الصَّوْمُ": الإمْسَاكُ (¬4)، ومِنْهُ قِيلَ لِلْسُّكُوْتِ: صَوْمٌ؛ لأنَّه
¬__________
(¬1) في الأصل: "المصر" تحريفٌ.
(¬2) في الأصل: "المصدر" تحريفٌ.
(¬3) سورة ق، الآية: 37.
(¬4) تَقَدَّمَ كَلَامُ المُؤَلِّفِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهَذَا حَقُّهُ أنْ يَكُوْنَ في أَوَّلِ كِتَابِ الصَّوْمِ.

الصفحة 303