كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 1)

الذي لا يليق معهم. وهم أصحاب الحكم والسلطان، ولكن الشيخ صمم على فتواه، وزاد على ذلك فصار لا يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا نكاحا ولا أي تصريف في أمور الناس وشؤون الحكم حتى تعطلت مصالحهم، وتوقفت أعمالهم، وهم في كل هذا يتعاظمون ويعجبون من جرأة ذلك الشيخ، وما في مقدور أحد أن ينكر عليهم أي شيء.
ورفع الأمراء الأمر إلى السلطان، وشكو إليه من هذه الجرأة التي هوت بمكانتهم بين الناس. وأرسل السلطان إلى الشيخ ابن عبد السلام يصرفه عن غايته، وبين له ما في هذه الفتوى من الإضرار بأولئك الأمراء الذين لهم شأنهم في شؤون الحكم، وكان ابن عبد السلام يقدر تماما أنه.
وفد على مصر غريبا لا أهل له، فقيرا لا مال عنده وليس له من قوام.
الحياة إلا هذا المنصب الذي يجلس فيه، وزمام المناصب كلها بيد السلطان، ولكن حب الدنيا لم يكن أفسد نفوس رجال الدين في ذلك الزمن، وما لرجل مثل ابن عبد السلام ترك وطنه راضيا، واحتمل السجن وشظف العيش في سبيل الرأي والحق، أن يثنيه عن الحق مطلب من مطلب العيش أو رغبة في منصب مهما يكن جاهه، فأرسل الى السلطان بأنه لا بد منفذ لفتواه لانها كلمة الشرع وحق الإسلام، وأنه سينادي على أولئك الأمراء بالبيع ويقبض ثمنهم، وإلا فإنه سيعزل نفسه من منصب القضاء ويترك فتواه قائمة في أقطار الإسلام يعول عليها المسلمون في تصريف أمورهم.
وانكمش السلطان بجبروته أمام الشيخ في إبائه وجرأته، وتلمس نائب السلطان بابا آخر لصرف الشيخ عن إصراره «فأرسل إليه بالملاطفة والملاينة والرجاء أن يراجع نفسه في تلك الفتوى الجريئة وأن يتصرف بما يتفق ومكانة الأمراء بين الناس، ولكن الشيخ الذي كان لا يرهبه في الحق شدة، كان من الأولى ألا تجدي معه في الحق ملاطفة أو ملاينة.
وعظم الخطب على نائب السلطنة، وثار به الغضب ثورته، وقال:

الصفحة 100