كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 1)

تيقظ الأزهر دفعة واحدة وتحركت بواعث النخوة والوطنية فيه، كما تحرك كل ما في مصر، وانتظم الجيش المسلح بإيمانه، المعتد بحقه، ورفعت الراية، وأصبح معهد الدين والعلم مستقر النهضة الكبرى ومستودع آياتها، وعلى أبوابه سقط أول شهيد مصري وهو من أبناء الأزهر، احتمل المدفع الرشاش بين يديه. وكان لا يدري ماذا يصنع به، وبينا هو يهم أن يقصيه في مكان ما. إذا بثلاثين رصاصة تخترق جسمه فيخر صريعا!
ولست أستطيع أن أقول شيئا عن الاجتماعات التي عقدت في الأزهر، فلم يكن منبره يخلو لحظة من خطيب. ولا عن أولئك الرجال الأبطال الذين كانوا يتوسدون أيديهم، وينامون على أرض ذلك المسجد الفسيح. . ومن المجاهدين من علمائه الزنكلوني، وعبد الباقي سرور، والشيخ أبو العيون وسواهم، ممن اشتدت الحركة الوطنية بفضل ما أفادوه في بعث روح الإقدام والجرأة في نفوس المصريين.
وكان الفقيد الكريم القاياتي يؤوب من المظاهرة في منتصف الليل، فيطوي رداءه تحت رأسه على «حصيرة» في الأزهر وينام حتى الصباح ليخطب في المجتمعين.
أما المظاهرات فحدث عن إقدام الأزهريين ولا حرج، فقد كانت طرقات مصر كلها تغص بهم، وتمتلىء رحابها بإقدامهم، وهم يتراكضون في أنفة وعزة وشموخ إلى غاية المجد، إلى حيث الحرية والاستقلال.
كان كل شيء في هذه النهضة جميلا ساميا، كأننا في جنة من جنان الخلد، وكان الشعور السائد القوى، شعورا سماويا، حتى نسينا البغض والحقد والتمرد على الواجب، وأصبح كل فرد يحتضن أخاه المصري كأنهما ولدا في منزل واحد، ويناجيه كأنه وليه الحميم.
في هذا العهد الذي كان يتهم فيه الأزهر بالتعصب وصرامة الرأي، كان هو الذي فتح أبوابه لأبناء الطائفة القبطية محتفلا مرحبا، وكانت هذه الظاهرة العجيبة من أقوى أسباب التضامن الوثيق بين العنصرين.

الصفحة 200