كتاب الأزهر في ألف عام (اسم الجزء: 1)

الأستاذ وجده في السعي له، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولا، وبأنه فقد زوجه وجزع لفقدها، فمن الخير أن يترك وطنه ومدينته ويشغل عمله ذاك الجديد، عسى أن يجد في ذلك عزاء وتسلية.
وربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر، ولكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيرا أم شرا، بل لم يحفل قط بعواقب الواجب وما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه. كان سعد زغلول منفيا عن وطنه وكانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون والسعديون منهم خاصة، وكان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعدا أشد الخصام، وكان مفتشا قضائيا بوزارة العدل، وأقبل عيد من الأعياد، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد ويترك بطاقته هناك.
وانقضت أيام العيد، وذهب مصطفى إلى عمله، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير. فلما لقيه قال له الوزير: ألم أعلم أنك ذهبت الى دار سعد وتركت فيها بطاقتك يوم العيد؟ قال مصطفى: قد كان ذلك. قال الوزير: أو لم تعلم أن سعدا يناوىء الحكومة القائمة وأن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة ولا بالحكومة، قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن. قال مصطفى: أنت وما تريد. وعاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان.
ولكن رئيس الوزراء ثروت باشا، رحمه اللّه، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه، وترضى ذلك الوفى الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء.
والبر بطلاب العلم خاصة، وبكل من يحتاج إلى البر عامة، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق. فلم أعرف قط قلبا ابر بفقير ولا نفسا أرق لذي حاجة، ولا يدا أسرع إلى العطاء، من قلب مصطفى عبد الرازق ونفسه ويده.
كان أستاذا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وكنت لها عميدا في

الصفحة 292