وفي أواخر ذي الحجة سنة 363 هـ، عبر القائد الأعلى غالب البحر إلى الجزيرة الخضراء، تاركاً شئون العدوة للقائد يحيى بن محمد بن هاشم التجيبي تحقيقاً لرغبة الحكم؛ وكان في ركب القائد الأعلى المظفر، الحسن بن كنون وسائر أهله وشيعته من زعماء الأدارسة ومعهم الأهل والولد. وصدر قبيل ذلك في قرطبة، عن أمر الخليفة الحكم، كتاب طويل من إنشاء الوزير جعفر ابن عثمان قرىء على سائر منابر الأندلس، وفيه ينوه بما من الله على خليفته من كفالة أمر المسلمين، وقمع عدوان النصارى بالأندلس، ثم مطاردة الشيعة أهل البدع بالعدوة، وما منحه الله من النصر على المخالفين " حتى استوثقت الطاعة في جميع بلاد المغرب وقامت الدعوة بمنابر قواعده " (¬1). وأشرف غالب في ركبه الحافل على قرطبة في أوائل المحرم سنة 364 هـ، وأنزل الأشراف الحسنيون المرافقون له في الدور التي أعدت لهم بقرطبة وأرباضها. وخرج الجند من مدينة الزهراء في صبيحة يوم الخميس الخامس من محرم لتلقي القائد المظفر، والمسير بين يديه، وعلى رأسهم عدة من الفتيان ورؤساء الخدمة، ودخل غالب قرطبة في عسكره، وفي ركبه الأشراف الأدارسة، ونزل بفحص الناعورة؛ ويصف لنا ابن حيان في تفصيل شاف موكب القائد غالب، وركبه المظفر الفخم، ومن كان يحف به أو يتبعه من الفرسان المدرعين وأهل الخدمة والصقالبة، والعبيد الرماة وغيرهم من أصحاب الطبول والقرون والبنود والرايات. ودخل غالب في موكبه الفخم مدينة الزهراء من باب السُّدة، ونفذ إلى القصر، وأنزل الأدارسة الذين معه في المجالس القبلية بدار الجند. وكان الخليفة الحكم قد جلس لاستقباله في المجلس الشرقي المشرف على الرياض، وقد حف به الإخوة، وجلس من بعدهم الوزراء والحجاب وأصحاب الشرطة والمدينة والقضاة وسائر أهل الخدمة، كل في مكانه المعهود. واستقبل الخليفة زعماء الأدارسة، وشيخهم حنون بن أحمد بن عيسى، وشكر طاعتهم، وعفا عن الحسن، ووعدهم بالإحسان، وأجزل لهم الأرزاق والصلات (¬2). وعين من حاشيتهم في ديوانه، سبعمائة من أنجادهم. واستمر الحسن وذووه على ذلك زهاء عامين. ثم وقعت
¬_______
(¬1) راجع الكتاب المذكور في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 178 - 182.
(¬2) ابن حيان في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 194 - 200.