كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (اسم الجزء: 1)

فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» «1» الحديث. وقد رواه غيره فزاد فيه: «حنفاء مسلمين» ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها فعلم أنها الإسلام.
وقد قال أحمد: من مات أبواه وهما كافران حكم بإسلامه «2» واستدل بحديث الباب فدل على أنه فسر الفطرة بالإسلام. وتعقبه بعضهم بأن كان يلزم أن لا يصح استرقاقه. ولا يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه. والحق أن الحديث سيق لبيان ما هو فى نفس الأمر، لا لبيان الأحكام فى الدنيا. وحكى محمد بن نصر أن آخر قولى أحمد أن المراد بالفطرة الإسلام. قال ابن القيم: وقد جاء عن أحمد أجوبة كثيرة يحتج فيها بهذا الحديث على أن الطفل إنما يحكم بكفره بأبويه، فإذا لم يكن بين أبوين كافرين فهو مسلم. وروى أبو داود عن حماد ابن سلمة أنه قال: المراد أن ذلك حيث أخذ اللّه عليهم العهد حيث قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «3» ونقله ابن عبد البر عن الأوزاعى وعن سحنون. ونقله أبو يعلى ابن الفراء فى إحدى الروايتين عن أحمد وهو ما حكاه الميمونى عنه وذكره ابن بطة «4». اه.
والحاصل أن الراجح تفسير الفطرة بالإسلام وهو مذهب كثير من العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد كما عند الميمونى. والرواية الأخرى تفيد تفسيره لها بالشقاء والسعادة وهى المشهورة عنه.
___________
(1) أخرجه مسلم: 4/ 2197.
(2) قال ابن تيمية معلقا على الحديث السابق: «إنى خلقت عبادى حنفاء ... ولهذا ذهب الإمام أحمد رضى اللّه عنه فى المشهور عنه إلى أن الطفل متى مات أحد أبويه الكافرين حكم بإسلامه لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة. وقد روى عنه وعن ابن المبارك، وعنهما: أنهم قالوا: يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة». وهذا القول لا ينافى الأول. فإن الطفل يولد سليما وقد علم اللّه أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له فى أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم اللّه أنها ستجدع. مجموع الفتاوى: 4/ 246، وانظر: الروايتين والوجهين لأبى يعلى: 2/ 370 حيث ذكر الروايات عن أحمد فى من مات أبواه أو أحدهما وهما كافران هل نحكم بإسلامهم. وقد ذكر ابن تيمية وابن حجر الرواية المشهورة.
(3) سورة الأعراف/ 172.
(4) فتح البارى: 3/ 348 - 349 وقد ذكر أقوالا أخر. وراجع معالم السنن للخطابى مع سنن أبى داود/ 86 - 88 ومسلم بشرح النووى: 16/ 208.

الصفحة 184