كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (اسم الجزء: 1)
القرآن من اللّه بدا وخرج وذكروا قوله: ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي «1» فأخبر أن القول منه لا من غيره من المخلوقات.
و «من» هى لابتداء الغاية، فإن كان المجرور بها عينا يقوم بنفسه لم يكن صفة للّه كقوله: وسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ «2» وقوله فى المسيح: ورُوحٌ مِنْهُ «3» وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله: وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ «4».
وأما إذا كان المجرور بها صفة ولم يذكر لها محل كان صفة للّه كقوله: ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي «5» وكذلك قد أخبر فى غير موضع من القرآن أن القرآن نزل منه وإنه نزل به جبريل منه ردا على هذا المبتدع المفترى وأمثاله ممن يقول: أنه لم ينزل منه، قال تعالى: أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ «6» وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ «7» وروح القدس هو جبريل كما قال فى الآية الأخرى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ «8» وقال: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ «9» وقال هنا: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ فبين أن جبريل نزله من اللّه لا من هواء ولا من لوح ولا غير ذلك ... ثم استطرد رحمه اللّه وذكر جملة من الآيات الدالة على أن القرآن منزل من اللّه العزيز الحكيم. وأجاب عن بعض شبه المبتدعة وادعاءاتهم «10».
___________
(1) سورة السجدة/ 13.
(2) سورة الجاثية/ 12.
(3) سورة النساء/ 171.
(4) سورة النحل/ 53.
(5) سورة السجدة/ 13.
(6) سورة الأنعام/ 114.
(7) سورة النحل/ 102.
(8) سورة الشعراء/ 193.
(9) سورة البقرة/ 197.
(10) انظر: مجموع الفتاوى: 12/ 517 - 522.