كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (اسم الجزء: 1)
الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ «1». فالقرآن من علم اللّه عز وجل وفى هذه الآيات دليل على أن الّذي جاءه صلى اللّه عليه وسلم من العلم هو القرآن لقوله عز وجل: ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ.
وقد روى عن غير واحد ممن مضى من سلفنا رحمهم اللّه أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام اللّه عز وجل وليس «2» بمخلوق وهو الّذي أذهب إليه ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام فى شيء من هذا إلا ما كان فى كتاب اللّه عز وجل، أو فى حديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أو عن أصحابه أو عن التابعين. فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود «3».
___________
(1) سورة البقرة/ 145.
(2) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائى: 2/ 227 - 312 فقد ساق جملة كبيرة من أقوالهم.
(3) فى رواية عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: القرآن كلام اللّه عز وجل وليس بمخلوق ولا تخاصموا ولا تجالسوا من يخاصم. السنة لعبد اللّه ص: 21.
وفى رواية حنبل بن إسحاق قال: القرآن كلام اللّه غير مخلوق ولا تخاصم فى هذا ولا تكلم فيه ولا أرى الجدال ولا المراء فيه. السنة للخلال (ق 156/ أ).
وفى رواية أخرى قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: قد نهيتم أن تماروا فى القرآن وأن تضربوا بعضه ببعض ما لكم وللجدل فى القرآن، القرآن كلام اللّه غير مخلوق على كل جهة وعلى كل حال وحيث تصرف. المصدر السابق (ق: 193/ ب).
وفى أخرى: ولا أحبذ الخوض فى هذا ولا الكلام فيه. المصدر السابق (ق: 189/ ب) وفى مناظرته فى المحنة قال: ولست صاحب مراء ولا كلام وإنما أنا صاحب آثار وأخبار. محنة أحمد لحنبل بن إسحاق ص: 54.
وقال أيضا: وقد كنا نهاب الكلام فى هذا حتى أحدث هؤلاء ما أحدثوا وقالوا ما قالوا ودعوا الناس إلى ما دعوهم إليه. المصدر السابق (ق: 157/ أ).
ونقل الدارمى فى الرد على المريسى ص: 110 عن أحمد قوله: كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء فلما أظهروه لم نجد بدا من مخالفتهم والرد عليهم.
قال الدارمى: إنما كره السلف الخوض فيه مخافة أن يتأول أهل البدع والضلال، وأغمار الجهال ما تأولت ... فحين تأولتم فيه خلاف ما أراد اللّه وعطلتم صفات اللّه، وجب على كل مسلم عنده بيان أن ينقض عليكم دعواكم فيه، ولم يكره السلف الخوض فى القرآن جهالة بأن كلام الخالق غير مخلوق، ولا جهالة أنه صفه من صفاته ... فكره القوم الخوض فيه إذ لم يكن يخاض فيه علانية، وقد أصابوا فى ترك الخوض فيه إذ لم يعلن.
فلما أعلنوه بقوة السلطان، ودعوا العامة إليه بالسياط والسيوف، وادعوا أن كلام اللّه مخلوق أنكر عليهم ذلك من غبر من العلماء ومن بقى من الفقهاء فكذبوهم وكفروهم وحذروا الناس أمرهم-