كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (اسم الجزء: 1)

ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الّذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة فى أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن اللّه لا يرى فى الآخرة، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوما معينين، فأما أن يذكر عنه فى المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل فيقال: من كفر بعينه، فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير، وانتفت موانعه ومن لم يكفره بعينه، فلانتفاء ذلك فى حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم.
والدليل على هذا الأصل: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاعتبار. ثم استدل رحمه اللّه لكل ذلك، ثم قال: فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين:
أحدهما: أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول، وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق، فنفى الصفات كفر، والتكذيب بأن اللّه يرى فى الآخرة، أو أنه على العرش أو أن القرآن كلامه، أو أنه كلم موسى، أو أنه اتخذ إبراهيم خليلا كفر، وكذلك ما كان فى معنى ذلك، وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث.
والأصل الثانى: أن التكفير العام- كالوعيد العام- يجب القول بإطلاقه وعمومه.
وأما الحكم على المعين بأنه كافر، أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه.
ومما ينبغى أن يعلم فى هذا الموضع أن الشريعة قد تأمرنا بإقامة الحد على شخص فى الدنيا، إما بقتل أو جلد أو غير ذلك، ويكون فى الآخرة غير معذب، مثل قتال البغاة والمتأولين مع بقائهم على العدالة، ومثل إقامة الحد على من تاب بعد القدرة عليه توبة صحيحة فإنا نقيم الحد عليه مع ذلك كما أقامه النبي صلى

الصفحة 230