كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (اسم الجزء: 1)
الأرض وهو على العرش وقد أحاط بعلمه ما دون العرش لا يخلو من علم اللّه مكان ولا يكون علم اللّه فى مكان دون مكان وذلك قوله: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً «1». (ق 24/ أ) قال أحمد رضى اللّه عنه: ومما تأولته الجهمية من قول اللّه سبحانه: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ «2» الآية. قالوا:
إن اللّه عز وجل معنا وفينا. فقلنا: لم قطعتم الخبر من أوله إن اللّه يقول: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الْأَرْضِ «3» ثم قال: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يعنى إن اللّه بعلمه رابعهم ولا خمسة إلا هو بعلمه سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم يعنى بعلمه فيهم أين ما كانوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يفتح الخبر بعلمه ويختم الخبر بعلمه «4» وإذا أردت تعلم أن الجهمى كاذب على اللّه حين زعم أنه فى كل مكان ولا يكون فى مكان دون مكان فقل له: أ ليس كان اللّه ولا شيء.
فسيقول: نعم. فقل له حين خلق الشيء خلقه فى نفسه أو خارجا عن نفسه (ق 24/ ب) فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل واحد منها: إن زعم أن اللّه خلق الخلق فى نفسه كفر حين زعم أنه خلق الخلق والشياطين وإبليس فى نفسه.
فإن قال خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفرا حين زعم أنه دخل فى كل مكان وحش قذر ردىء. وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة «5».
___________
(1) سورة الطلاق/ 12.
(2) سورة المجادلة/ 7.
(3) سورة المجادلة/ 7.
(4) نحو هذا ذكر الآجرى فى الشريعة. انظر: ص: 287.
(5) ذكر نحو هذا ابن تيمية فى مجموع الفتاوى 5/ 152 وقال: وهذه القاعدة للإمام أحمد من حججه على الجهمية فى زمن المحنة. ا ه.
وفى موضع آخر ذكره بنصه وقال معلقا: فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بالعقل الصريح والفطرة البديهية، من أنه لا بد أن يكون خلق الخلق داخلا فى نفسه أو خارجا عنه، وإنه إذا كان خارجا عن نفسه، فإما أن يكون حل فيه بعد ذلك، او لم يزل مباينا، فذكر الأقسام الثلاثة. مجموع الفتاوى 5/ 312 - 313.