كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (اسم الجزء: 1)

الثانى عشر: أنه لو كانت فوقيته سبحانه مجازا لا حقيقة لها لم يتصرف فى أنواعها وأقسامها ولوازمها ولم يتوسع فيها غاية التوسع فإن فوقية الرتبة والفضيلة لا يتصرف فى تنويعها إلا بما شاكل معناها نحو قولنا: هذا خير من هذا وأفضل وأجل وأعلى قيمة ونحو ذلك، وأما فوقية الذات فإنها تتنوع بحسب معناها فيقال فيها: استوى وعلا وارتفع وصعد ويعرج إليه كذا ويصعد إليه وينزل من عنده، وهو عال على كذا ورفيع الدرجات، وترفع إليه الأيدى ... وأنه يطلع على عباده من فوق سبع سماواته وأن عباده يخافونه من فوقهم وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يبرم القضاء من فوق عرشه ... وأن عباده المؤمنين إذا نظروا إليه فى الجنة رفعوا رءوسهم. فهذه لوازم الأنواع كلها أنواع فوقية الذات ولوازمها لا أنواع فوقية الفضيلة والمرتبة فتأمل هذا الوجه حق التأمل تعلم أن القوم أفسدوا اللغة والفطرة والعقل والشرع.
الثالث عشر: أنه لو كانت فوقية الرب تبارك وتعالى مجازا لا حقيقة لها لكان صدق نفيها أصح من صدق إطلاقها، ألا ترى أن صحة نفى اسم الأسد عن الرجل الشجاع ... ونحو ذلك أظهر وأصدق من إطلاق تلك الأسماء فلو كانت فوقيته واستواؤه وكلامه وسمعه وبصره ووجهه ومحبته ورضاه وغضبه مجازا لكان إطلاق القول بأنه ليس فوق العرش ولا استوى عليه ولا هو العلى ولا الرفيع ولا هو فى السماء ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا تكلم ولا أمر ولا نهى ولا يسمع ولا يبصر ولا له وجه ولا رحمة ولا يرضى ولا يغضب أصح من إطلاق ذلك وأدنى الأحوال أن يصح النفى كما يصح الإطلاق المجازى. ومعلوم قطعا أن إطلاق هذا النفى تكذيب صريح للّه ولرسوله. ولو كانت هذه الإطلاقات إنما هى على سبيل المجاز لم يكن فى نفيها محذور لا سيما ونفيها عين التنزيه والتعظيم وسوغ إطلاق المجاز للوهم الباطل بل الكفر والتشبيه والتجسيم.
هذه بعض الأوجه التى ذكرها ابن القيم والتى بلغت سبعة عشر وجها وقد ذكرت بعضها باختصار «1».
___________
(1) انظر: مختصر الصواعق المرسلة 2/ 205 - 217.

الصفحة 329