كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

لما رأوا ميله إلى المبتدعة. قد تقدم إثبات أن عقيدة أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة وذلك ينفي أن يكون ميله إليهم رغبة في بدعتهم أو موافقة عليها، فما معنى الميل وما الباعث عليه؟
كان الحنابلة في ذاك العصر ينفرون بحق من كل من يقال أنه أشعري أو معتزلي وينفرون عن الحنفية والمالكية والشافعية لشيوع البدعة فيهم، وكان كثير من الحنابلة يبالغون في النفرة ممن نفروا عنه فلا يكادون يروون عنه إذا كان من أهل الرواية ولا يأخذون عنه غير ذلك من العلوم، وإذا رأوا الطالب الحنبلي يتردد إلى أو مالكي أو شافعي سخطوا عليه وقد ذكر ابن الجوزي نفسه في (المنتظم) ج 9 ص 213 عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قال ((وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً)) وتقدم في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي نعيم الأصبهاني ما لفظه ((قال إنسان من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليفعل - وكان مهجوراً في ذلك الوقت بسبب المذهب وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع، فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد أن يقتل))، مع أن مجلس أبي نعيم إنما كان لسماع الحديث لا للدعوة إلى الأشعرية.
وقد قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج 8 ص 267 في وصف الخطيب:
((كان حريصاً على علم الحديث وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه)) وقال قبل ذلك بورقة ((أول ما سمع الحديث في سنة 403 وهو ابن إحدى عشرة سنة .... وأكثر من السماع من البغداديين ورحل إلى البصرة ثم إلى نيسابور ثم إلى اصبهان ودخل في طريقه همذان والجبال ثم عاد إلى بغداد وخرج إلى الشام وسمع بدمشق وصور ووصل إلى مكة .... وقرأ (صحيح البخاري) على كريمة .... في خمسة أيام)).
أقول فحرصه على تحصيل العلم وولوعه به هو الذي كان يحمله على أن يقصد كل من عرف بالعلم مهما كان مذهبه وعقيدته وكان الحنابلة إذ ذاك يخافون عليه بحق أن يقع في البدعة، وإذ كانت نهمته تضطره إلى الانطلاق في مختالفتهم وغيرتهم تضطرهم إلى المبالغة في كفه بلغ

الصفحة 128