الآثار ومع ذلك لم يرو عن أحد منهما ولا بنى على رويته حكماً. وفي الحكاية أنه كان قليل النظر في كتبهما كثير النظر في كتب الواقدي، هذا مع أنه من أسوأ الناس رأياً في الواقدي فلم يكن ينظر في كتبه ليعتمد عليه، بل رجاء أن يرى فيها الشيء مما يهمه فيبحث عنه من غير طريق الواقدي على حد قول الله تبارك وتعالى: {إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} فلم يأمر بإلغاء خبر الفاسق إذ لعله صادق، بل أمر بالتبين فخبر الفاسق يكون تنبيهاً يستدعي الالتقات إلى ما أخبر به والاستعداد له وعدم الاسترسال مع ما يقتضيه الأصل من عدمه حتى يبحث عنه فيتبين الحال.
فصل
قال الأستاذ: ((وكان يستخرج الأجوبة الدقيقة من كتب محمد بن الحسن كما روى عنه إبراهيم الحربي على ما في (تاريخ الخطيب) 3/ 177.
أقول الراوي عن إبراهيم غير موثق، على أن محمداً لمهارته في الحساب وشغفه بالدقة كان يفرض القضايا التي لا تكاد تقع مما يحتاج إلى دقيق الحساب فيضخم بها كتبه. ومن عرف النصوص الشرعية وفهمها وعلم الأحكام فهو الفقيه، فإن عرضت واقعة يحتاج إلى تفصيل الحكم فيها إلى حساب دقيق فاستعان بحاسب لم يكن في ذلك ما يتوهم منه أنه تعلم الفقه من الحاسب.
فصل
ثم ذكر الأستاذ رواية أن أحمد ((كان يعيب أبا حنيفة ومذهبه)) ثم قال: ((يقول الملك المعظم: أنا أصدق هذا، لأن أصحاب أحمد إلى يومنا هذا لم يفهم أحد منهم (الجامع الكبير) ولا عرف ما فيه ومتى وقف على ما فيه فلا شك أنه ينكره فخل عنك باقي كتب أصحاب أبي حنيفة)) ثم قال الأستاذ: ((ومن جهل شيئاً [أنكره و] (1) عاداه)).
__________
(1) سقطت من قلم المصنف رحمه الله تعالى، فاستدركها من (التأنيب)، وقد سقطت منه في الموضع الآتي أيضاً، ولكنه تنبه لذلك هناك فاستدركه كما يدل عليه أثر الكشط، وفاته الاستدراك هنا.