أقول هذا موضع المثل:
سألته عن أبيه؟ فقال: خالي شعيب!
لم يعب أحمد كل مسألة تكلم فيها أبو حنيفة ولا عاب المسائل الحسابية الدقيقة التي ضخم بها محمد كتبه، وإنما عاب ما يراه مخالفاً للسنة وهذا يتحقق عند أحمد سواء أفهم أتباعه (الجامع الكبير) لمحمد؟ وهل نظر فيه وتفهمه غيرهم من غير الحنفية؟ وقول الملك عيسى الذي تقدمت الإشارة إلى حاله في ترجمة الخطيب ((ومتى وقف على ما فيه فلا شك أن ينكره)) مجازفة، نعم، ينكر ما فيه مما يراه مخالفاً للسنة، وعسى أن يتوقف بعضهم في بعض المسائل الدقيقة، وقول الأستاذ ((ومن جهل شيئاً أنكره وعاداه)) لا محل هنا فإن دعوى أن أحمد كان يجهل طريق استدلال أبي حنيفة في القضايا التي رد بها السنة دعوى باطلة، بل أكثر الناس يفهمون ذاك الاستدلال ويعرفون بطلانه كما ستراه في قسم الفقهيات وسترى هناك بعض ما يروى عن أبي حنيفة من مجابهة النصوص بتلك الكلمات التي تدل على ما تدل عليه إن صحت.
فصل
قال الأستاذ ((وليس بقليل بين الفقهاء من لم يرض تدوين أقوال أحمد في عداد أقوال الفقه باعتبار أنه محدث غير فقيه عنده، وأنَّى لغير الفقيه إبداء رأي متزن في فقه الفقهاء.
أقول يشير بهذا إلى أن ابن جرير لم ينقل أقوال أحمد في كتابه الذي ألفه في ((اختلاف الفقهاء))، ولأن يعاب بهذا ابن جرير أولى من أن يعاب به أحمد، ولكن عذره أمه كما يعلم من النظر في كتابه إنما قصد الفقهاء الذين كانت قد تأسست مذاهبهم ورتبت كتبهم، ولم يكن هذا قد اتضح في مذهب أحمد فإنه رحمه الله لم يقصد أن يكون له مذاهب ولا أتباع يعكفون على قوله وإنما كان يفتي كما يفتي غيره من العلماء، ويكره أن يكتب كلامه، فكانت فتاواه عند موته مبعثرة بأيدي الطلبة والمستفتين وأدركها ابن جرير كذلك، وإنما رتبها وجمعها أبو بكر الخلال وهو أصغر من ابن جرير بعشر سنين.