كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

حنيفة سنة ثمانين، ولم يستفد إلا تضيع وقته ووقت من يعقبه، والسعي فيما لو صح لأنتج نقيض مقصودة كما سلف. والله المستعان.
فصل
ولنعطف على ابن الصلت. هب أن أبا حنيفة ولد سنة 61 أو قبلها وأنه سمع من أنس وروى عنه عدة أحاديث، فان هذا لا يدفع أمثال الخطيب ذلك الحديث على ابن
الصلت، من جهة أنه لم يروه غيره عن بشر، ولا يحفظ عن أبي يوسف ولا يثبت عن أبي حنيفة، وهذا الحديث مما توفر الدواعي على كثرت روايته واشتهاره، فلو كان عند أبي حنيفة لكثر تحديثه به لعلو السند، واثبات سماع من الصحابي، والترغيب فيما كان يدعوا إليه من طلب والعلم، لو حدث به لكثر التحديث تلاميذه به واثباته في كتبهم، فلو قال قائل: لو كان عنده لتواتر عنه، لما أبعد. وأهل العلم من قديم يلهجون بمتن هذا الحديث ويتطلبون له إسناداً صحيحاً فلا يجدونه، ولأجل ذلك وقع كثير من الناس في روايته بأسانيد مركبة أو مدلسه أو نحو ذلك واحتاج أهل العلم إلى نقله من وجوه ضعيفة، ذكره ابن عبد البر في أوائل (كتاب العلم) ثم قال:
((هذا حديث يروى عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه كثيرة كلها معلولة ولا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد)).
ثم ذكر عن إسحاق بن راهويه المتوفى سنة 238 ((أنه كان يقول: طلب العلم واجب ولك يصح في الخبر)) وقال ابن عبد البر ((يريد إسحاق - والله أعلم - أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكنه معناه صحيح عندهم .. )).

الصفحة 191