كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

تقرأ هكذا بالبناء للمجهول فعلى هذا لا يدري من شيخ ابن أبي العوام إن كان له شيخ غير نفسه وصح الخبر عنه .
ومن ذلك أن الخطيب ساق عدة روايات عن الثوري والاوزاعي قال : (( ما ولد في الإسلام مولود أشأم على هذه الأمة من أبي حنيفة )) فقال الأستاذ ص 72 : (( لو كان هذا الخبر ثبت عن الثوري والأوزاعي لسقطا بتلك الكلمة وحدها في هوة الهوى والمجازفة كما سقط مذهباهما بعدهما سقوطا لا نهوض لهما أمام الفقه الناضج وقد ورد : لا شؤم في الإسلام . وعلى فرض أن الشؤم يوجد في غير الثلاث الواردة في السنة وأن صاحبنا مشئوم فمن أين لهما معرفة انه في أعلى درجات المشئومين ... . ))
أقول : لم يريدا الشؤم الذي نفاه الشرع وإنما أرادا الشؤم الذي يثبته الشرع والعقل .
إذا كان في أخلاق الإنسان وأقواله وأفعاله ما من شأنه ديانة وعادة وقوع الضرر والمصائب بمن يصحبه ويتبعه ويتعدى ذلك إلى غيرهم ووقع ذلك ولم يزل ينتشر ودلت الحال على أنه لن يزال في انتشار صح أن يقال إنه مشئوم وإذا ظن أن ما يلحق الأمة من الضرر بسبب رجل آخر صح أن يقال : إنه لم يولد مولود أشأم على الأمة منه . كان الثوري والأوزاعي كجمهور الأئمة قبلها وفي عصرهما يريان إلا جاء ورد السنة بالرأي والقول ببعض مقالات الجهمية كل ذلك ضلالة من شأنها أن يشتد ضررها على الأمة في دينها ودنياها ورأيا صاحبكم واتباعه مخطئين أو مصيبين جادين في نشر ذلك ولاتزال مقالاتهم تنتشر وتجر إلى ما هو شر منها حتى جرت قوما إلى القول بأن أخبار الآحاد مردودة مطلقا وآخرين إلى رد الأخبار مطلقا كما ذكره الشافعي ثم جرت إلى القول بأن النصوص الشرعية لا يحتج بها في العقائد ! ثم إلى نسبه الكذب إلى أنبياء الله عز وجل واليه سبحانه كما شرحته في قسم الاعتقاديات .
شاهد الثوري والأوزاعي طرفا من ذلك ودلتهما الحال على ما سيصير إليه الأمر فكان كما ظنا وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلا على يدي أصحابكم ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم ؟ وفي كتاب ( قضاة مصر ) طرف من وصف ذلك . وهل جر إلى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة ؟ وأي ضر نزل بالأمة أشد من هذه المقالات ؟

الصفحة 259