فأما سقوط مذهبيهما ، فخيرة اختارها الله تبارك وتعالى لهما ، فان المجتهد قد يخطئ خطأ لا يخلو عن تقصير ، وقد يقصر في زجر أتباعه عن تقليده هذا التقليد الذي نرى عليه كثيراً من الناس منذ زمان طويل ، الذي يتعسر أو يتعذر الفرق بينه وبين اتخاذ الإجبار والرهبان أرباباً من دون الله ، فقد يلحق المجتهد كفل من تلك التبعات ، فسلم الله تعالى الثوري والأوازعي من ذلك ، فأما ما يرجى من الأجر على التباع في الحق فلهما من ذلك النصيب الأوفر بما نشراه من السند علماً وعملاً ، وهذه الأمهات الست المتدالة بين الناس حافلة بالأحاديث المروية من طريقهما وليس فيها لصاحبكم ومشاهير أصحابه حديث واحد ! وقد قال افمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في ( تاريخه الكبير ) في ترجمة الثوري (( قال لنا عبدان عن ابن المبارك : كنت إذا شئت رأيت سفيان مصلياً ، وإذا شئت رايته محدثاً ، وإذا شئت رأيته في غامض الفقه . ومجلس شهد ( في التاريخ الصغير ص 187 : شهدته ) ما صلي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - . - يعني مجلس النعمان )) ولهذه الحكاية طرف في ( تاريخ بغداد ) و( تقدمه الجرح والتعديل ) لابن أبي حاتم وغيرهما .
وقد علمنا كيف انتشر مذهبكم ، أولاً أولع الناس به لما فيه من تقريب الحصول على الرئاسة بدون تعب في تعب في طلب الأحاديث مسماعهما وحفظهما والبحث عن رواتها وعللها وغير ذلك ، إذ رأوا أنه يكفي الرجل يحصل له طرف يسير من ذلك من ثم يتصرف برأيه ، فغذا به قد صار رئيساً !
ثانياً: ولي أصحابكم قضاء القضاة فكانوا يحرصون على أن لا يولوا قاضياً في بلد من بلدان الإسلام إلا على رأيهم ، فرغب الناس فيه ليتولوا القضاة ، ثم كان القضاة يسعون في نشر المذهب في جميع البلدان .
ثالثاً : كانت المحنة على يدي أصحابكم واستمرت خلافة المأمون وخلافة المعتصم وخلافة الواثق ، وكانت قوى الدولة كلها تحت غشارتهم فسعوا في نشر مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع القطار ، وعمدوا إلى من يخالفهم في الفقه فقصدوه بأنواع الأذى الذي ولذلك تعمدوا