كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

وتصحيحه وتحريف كلمة (( العدل )) إلى (( القدر )) هو الجاري على طريقة التصحيف والتحريف فإن القارئ أو الناسخ إنما يعدل عما لا يعرفه إلى ما يعرفه وقد شرحت طرفاً من ذلك في قسم الفقهيات في مسألة سهمان الخيل من الغنيمة وقد يفهم بعضهم من قول أبي حنيفة : (( كان يرى العدل )) أنه أراد بالعدل القدر لأن القدرية يسمون أنفسهم أهل العدل فأبدلها ذاك الفاهم بكلمة (( القدر )) لأنه يرى المعنى واحداً وكلمة (( القدر )) أوضح . وإنما أراد : القول العدل ، أي : الحق في زعمه يعني الإرجاء . ومن عرف أبا حنيفة وقوة عارضته جزم أو كاد بأنه لو كان عنده أن طلقاً كان قدرياً وأن سعيد بن جبير إنما نهى عن مجالسته لذلك لبادر إلى ذكر ذلك دفعاً لحجة خصمه ، والتروي الذي ذكره الأستاذ لا وجه له ، بل ربما يقال : لو كان أبو حنيفة إنما قال بعد أن ألجئ إلى الجواب (( كان يرى القدر )) لكان هذا أطلق للسان من يعيبه فإن طلقاً لم يصفه أحد بالقدر وقد وصفوه بالإرجاء وهو كالمضاد للقدر . وصف طلقاً بالإرجاء حماد بن زيد وأبو حاتم وابن سعد وقال البخاري في ( تاريخه الكبير ) ج2 قسم 2 ص360 : (( حدثنا مسدد ثنا حماد بن زيد عن أيوب : (( ما رأيت أحد أعبد من طلق بن حبيب ، فرآني سعيد بن جبير جالساً معه ، فقال : ألم أرك مع طق ؟ لا تجالس طلقاً ، وكان يرى الإرجاء )) . وهذا السند بغاية الصحة ، ويبعد أن لا يبين سعيد لأيوب سبب المنع إلا وهو يرى أنه لا يعرفه ، وكذلك الحال في أيوب وحماد . والذي كان يعرفه حماد أن السبب هو الإرجاء وشدة أيوب على المرجئة معروفة، وفي ( تذكرة الحفاظ ) ج2 ص76 من طريق : (( عبد الرحمن بن مهدي عن سلام بن أبي مطيع سمعت أيوب وعنده رجل من المرجئة ، فقال الرجل : أرأيت قوله عز وجل { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } ، أمؤمنون أم كفار؟ قال : اذهب فاقرأ القرآن ، فكل آية فيه ذكر النفاق ، فإني أخاف على نفسي )) .
قول الأستاذ : (( قال به جمهور أهل الحق )) .
قد كشفت حاله في الاعتقاديات وقد هجر سعيد بن جبير بن عبد الله المرهبي لأجل الإرجاء كما في ترجمة ذر . ( التهذيب ) .

الصفحة 281