وهكذا إن كان الحميدي لما استقبله صديقه الفتى الطياش بتلك الكلمة غلبه الغضب فأجاب بما أجاب ، وحق للحميدي أن ينشق غضباً فإنه لو جاء بذاك الخبر أكذب الناس لما ساغ لعاقل أن يكذبه فيه لأن الشافعي حي يرزق بالقرب منهم ، تمكن مراجعته بالسهولة ، فمن الذي يجترئ أن يكذب عليه مع علم الحميدي (1) بصدقه وأمانته وأنه لا هوى له ، بل لو كان له هوى لكان مع ابن الحكم صديقه الذي أضافه في بيتهم نحواً من سنة كما نص على ذلك ابن عبد الحكم نفسه . وعلى كل حال فذاك الجواب فلتة غضب أيضاً كما لا يخفى ، ولا عتب على الأستاذ في تشبثه به أيضاً لما احتاج إلى الكلام في ابن عبد الحكم كما يأتي في ترجمته !
ولم يبق الأستاذ على نفسه بل أخذ يتكهن فقال في ص 130 في الحميدي : (( لما استصحبه الشافعي إلى مصر باعتبار أنه رواية ابن عيينة أخذ يطمع أن يخلف الشافعي بعد وفاته ، ولما علم أن أصحابه لا يرضونه لبعده عن الفقه ، حكى الشافعي أن أحق جماعته بمقامه هو البويطي ، فكذبه محمد بن الحكم ، ولم يكن مثل الإمام الشافعي ليسر إلى آحاد الآفاقيين بما يكتمه عن جماعته ، ولو كان رأيه أن يكون البويطي خلفاً له لجاهر بذلك أمام جماعته لئلا يختلفوا بعده ، وقد غرم البويطي ألف دينار والألف كثير إلى أن يصلح قلوب الجماعة كما حكى الحافظ ابن حجر في ( توالي التأسيس ) ، وللبراطيل أفاعيل ، وكان هوى الحميدي مع البويطي لتقاربهما في المنزع ، وبعدهما عن الغوص على دقائق الفقه ، بخلاف المزني وابن عبد الحكم ولولا أن كان راويه ابن عيينة لكان الناس استغنوا عنه وعن حديثه لبذاءة لسانه )) .
أقول : الحميدي هو الذي اعتمد صحبة الشافعي وفي كتاب ابن أبي حاتم ج3 قسم 2 ص 202 عن الحميدي أنه يقول : (( كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم : ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة . قلت : ومن هو ؟ قال : محمد بن إدريس الشافعي . وكان أحمد بن حنبل قد جالسه في العراق . فلم يزل حتى اجترني إليه ودارت مسائل ، فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل : كيف رأيت ؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان ؟ فوقع كلامه في قلبي فجالسته فغلبتهم عليه ...
__________
(1) كذا الأصل ، ولعله سبق قلم المؤلف ، والصواب ابن عبد الحكم ، كما يدل عليه السياق . ن