كتاب التنكيل - دار المعارف (اسم الجزء: 1)

وخرجت مع الشافعي إلى مصر )) وكان الشافعي قد استكثر من ابن عيينة فلم يكن به حاجة إلى الحميدي ولا غيره ، وزعم طمع الحميدي أن يخلف الشافعي بمصر من مخلوقات الأستاذ ليس عليه أدنى شبهة بل كان الحميدي مكيناً بمكة مؤثراً لها ، وإنما فارقها تلك المدة إلى مصر إيثاراً لصحبة الشافعي ، فمان أقصى همه أن يعود إليها ودعوى بعده عن الفقه مخلق آخر . إنما كان الغالب على الحميدي الحديث ، وقد صحب ابن عيينة وأخذ من أخلاقه ، وقد تقدم قول الشافعي في ابن عيينة ، وما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه )) ولعل هذين الأمرين إيثاره الرجوع إلى مكة ، وعدم التبسط في الفتوى ، من الأسباب التي منعت ترشيحه لحلافة الشافعي .
وحكايته عن الشافعي أن البويطي أحق الجماعة كانت برسالة من الشافعي وهو حي بالقرب منهم يمكنهم مراجعته كما تقدم في القصة نفسها ، ومحاولة الأستاذ أن يري القارئ أن الحميدي إنما أخبر بذلك بعد وفاة الشافعي مخلوق آخر من مخلوقاته . وتكذيب ابن عبد الحكم له إن صح طيشة فتى غر محنق كما سلف . والشافعي لم يسر إليه ، وإنما كان عنده وبقية الأصحاب بالجامع فأرسله إليهم وهم بحيث تمكنهم مراجعته . وقد جاء عن الربيع قال : (( دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبويطي والمزني وابن عبد الحكم ، فنظر إلينا الشافعي فأطال ، ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا يعقوب فستموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هنات وهنات ، ولتدركن زماناًُ تكون أقيس أهل زمانك ، وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب . قال الربيع :(( فكان كما قال )) ترى القصة بسندها في ( توالي التأسيس ) ص85 . والحميدي وإن لم يكن مصرياً فقد كان أعلم الجماعة بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي ، ورفيقه في سفره ، وكان قرشياً مكياً كالشافعي ، فأخصيته به واضحة . والمجاهرة قد وقعت . وذاك الاختلاف كان في حياة الشافعي كما هو صريح في القصة . وغرامة البويطي ألف دينار لا شأن للحميدي بها ، ولا لاختلاف الأصحاب ، فإن الأستاذ إنما أخذ مما في ( توالي التأسيس ) : (( قال زكريا الساجي : سمعت إبراهيم بن زياد يقول سمعت البويطي يقول : لما مات الشافعي اجتمعنا في موضعه جماعة

الصفحة 294